الأحد، 8 أغسطس 2010

صراع على السلطة في صيف سياسي حارق

kolonagaza7
عبد الله السناوي
قبل أن يهل أغسطس بأجوائه الحارقة تبدت حرائق أخرى من نوع مختلف في الجو السياسي.. إرتباك في الحكومة، وكلام متواتر في دوائرها عن إزاحة محتملة للدكتور أحمد نظيف من رئاسة الحكومة قبل انتخابات مجلس الشعب المقبلة، وصراعات سلطة من نوع جديد تبدت مقدماته في "حرب اللافتات" بين فريقين من داخل السلطة.. أحدهما، يبايع الرئيس لفترة جديدة باعتباره "الضمانة الأكيدة للاستقرار".. وثانيهما، يدعوه لإفساح المجال أمام نجله الأصغر للترشح للمنصب الأرفع باسم الحزب الوطنى فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.
فى الحالتين تقدمت المشهد شخصيات مجهولة، بلا تاريخ ولا وزن، ولكن تقف خلفها قوى ومصالح متعارضة في السلطة الحالية.. وهذه لها حساباتها لما بعد (مبارك) بما يتجاوز بكثير أية حسابات إنسانية في العلاقة بين الأب ونجله الأصغر.
فى المشهد المستجد شىء من الفوضى في بنية الدولة، والحزب الذى يحكم باسم أغلبية مصطنعة.. وفيه شىء من القلق ـ بحسابات متعارضة ـ على مصير النظام السياسى بعد (مبارك).. وفيه تعبير صريح عن مخاوف لدى هذه الحسابات المتعارضة من غياب مفاجئ للرئيس، وما يمكن أن تندفع إليه الحوادث بعده، بما قد يهدد مصالحها، وربما وجودها ذاته.
تتجلى فى الشوارع ولافتاتها المثيرة مقدمات صراعات سلطة تنذر بتطورات وتحولات وانفلاتات أخطر وأفدح.
والمشكلة في كل ما يجرى أنه ليست هناك قواعد تضبط وتضمن انتقالاً آمناً وسلمياً للسلطة.. وأن أطرافاً رئيسية فيها تخشى على مصائرها، وتتحسب مبكراً من تدافع الحوادث المباغتة.
بدأت الموجة الجديدة في صراعات السلطة وعليها قبل أن يهل الشهر الحارق بأيام قليلة.. فأثناء الدعوة لاجتماع لمجلس الوزراء قبل إجازات الصيف فى أغسطس كانت اللهجة مختلفة.. شددت على ضرورة عدم التخلف عن هذا الاجتماع بالذات.. ودعت الوزراء، الذين لديهم التزامات إلى تأجيلها لوقت لاحق، فـ "الاجتماع قد يكون الأخير".. بدت العبارة مربكة في تفسير معناها، وإذا ما كان ينصرف إلى أنه الاجتماع الأخير قبل إجازات الصيف، أم أن الحكومة قد تكون مدعوة لتقديم استقالتها.. السؤال فى ذاته تعبير عن جو سياسى تتبدى حقائقه في المشهد، ورغم أن الاحتمال الأول تأكد، ولم تجر أية إشارة إلى التغيير، إلا أن جو القلق لم يتبدد، وظل سؤال الإزاحة يطارد الحكومة كلها، فلا أحد يعرف إلى أين تمضى الأمور فى اليوم التالي؟.. والمثير أن الدكتور (نظيف)، والحلقة الضيقة حوله، تتصاعد لديهم الشكوك والمخاوف عن قرب تغيير الحكومة، والظواهر تتلاحق، فالرئيس لا يخفي أنه غاضب على رئيس الحكومة، وشخصيات مقربة من الرئاسة تنتقده علناً، معلنة فى جلسات خاصة أن "التغيير أقرب مما تتوقعون"، ووزراء متزايدون ـ مطلعون علي هذه الأجواء ـ بدأوا يتعاملون معه على أنه رئيس حكومة منصرف.. والمدهش فى القصة كلها أن السبب المباشر للغضب الرئاسي يعود إلى اعتبارات إنسانية وشخصية قبل أية اعتبارات أخرى، فقد بُوغت الرئيس لدى عودته من ألمانيا في أعقاب عملية جراحية حساسة أجراها هناك بالدكتور (نظيف) يطلب منه الإذن بالزواج.. ورغم أن الرئيس وافق على الفور، إلا أن الطلب بذاته فى توقيت العودة من رحلة علاج أدى إلى جفوة إنسانية.. اتسعت بالوقت، وانتقلت تفاعلاتها إلى دوائر عليا في السلطة.. وتناثرت التكهنات عن تغيير وزاري وشيك، وبدا أن التوقيت ـ على الأغلب ـ سيسبق مباشرة الانتخابات النيابية المقبلة، فيكون بوسع الحزب الوطني أن يخوضها دون أن يتحمل ما هو منسوب للحكومة من خطايا فادحة.. ورغم أن الرئيس هو المسئول الأول ـ وفق الدستور ـ عن الجهاز التنفيذي، فإن الدكتور (نظيف) سيُحمل وحده مسئولية التدهور العام.
في هذا الجو المربك بدت الأزمات ذات طابع شخصى، وغابت السياسة، وغابت معها فكرة مراجعة السياسات التى أدت إلى دخول البلد فى حزام الانهيارات المتلاحقة، وأقصى ما جرى التشاور فيه، أو الإشارة إليه، إسناد رئاسة الحكومة إلى شخصية عسكرية لها إنجازاتها المدنية، من مهامها الرئيسية ضبط ما هو منفلت في أداء الدولة. كما تبدت في هذا الجو المربك أحوال جديدة تتجاوز مصير الحكومة ورئيسها إلى مصير السلطة العليا ذاتها.. فلأول مرة منذ صعود نجل الرئيس الأصغر (جمال مبارك) كوريث محتمل لوالده تتبنى أطراف قريبة منه فكرة الضغط العلني على الرئيس لإفساح المجال أمام نجله لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة باسم الحزب الوطني.. فى مرات سابقة حادثت شخصيات مقربة الرئيس في هذه الفكرة، ولكن في غرف مغلقة. الآن: اللعبة في الشارع.. وفي ما يبدو أن أطرافاً في الدولة شاركت في التخطيط لهذا التحول.. لكن ليس بصورة مباشرة، فقد انتدبت شخصيات مجهولة من الأرشيفات المحفوظة لتتصدر المشهد، حتى ىمكن التبرؤ من تبعاته عند اللزوم، وعلقت على نطاق واسع لافتات تعلن دعمها لـ (جمال) في أحياء شعبية برعاية واضحة من جهات أمنية ومحلية.. وجرى التخطيط لنقل حملتها إلى المحافظات، واحدة تلو الأخرى.
فى البداية بدت الحملة المستجدة كأنها مواجهة في الشارع وعلى صفحات الإنترنت مع حملات الحركات الاحتجاجية التى تدعو إلى إصلاح سياسى ودستوري شامل، وتناهض التوريث، اتبعت الأساليب ذاتها لأهداف أخرى، وقيل إنه قد يكون من أسباب حملة الترويج "تسخيف فكرة جمع التوقيعات"، أو اثبات أن للوريث المحتمل شعبية فى الشارع يؤكد مناهضوه انه يفتقر إليها بصورة فادحة.. ولكن سرعان ما تكشف أن اللعبة الجديدة أكثر خطورة مما ظهر في البداية.. وأنها تلعب على العصب الحساس ضاغطة على الرئيس لاتخاذ خطوات راديكالية تمكن نجله الأصغر من السلطة السياسية العليا فى وجوده وبرعايته الشخصية المباشرة.. والتفكير على هذا النحو فيه شىء من القلق على مستقبل "مشروع التوريث" إذا ما تعرض الرئيس لعارض صحى جديد مفاجئ.. وفيه شىء آخر من القلق من الانحسار الظاهر فى المشروع نفسه، والصعود المتواتر لـ "ظاهرة البرادعي"، ورغم أن هذه الأطراف لا تعتقد أن لدى الأخير فرصة حقيقية لتولي المنصب الرئاسي مستقبلاً، إلا انها تخشى من أن يؤدي تمدد الظاهرة بتجليات مختلفة إلى تزكية فكرة إسناد الرئاسة إلى شخصية عسكرية جديدة بثياب مدني. ما يحدث ـ بالضبط ـ محاولة لقطع الطريق على هذا السيناريو بالذات.. والفكرة الرئيسية في هذا الطرح تعمل على حسم مسألة الخلافة الآن، في وجود الرئيس وبمباركته، وتحمل ضمناً اتهاماً للرئيس بالمسئولية عن تعطيل المشروع وانحسار فرص الوريث في تولي الرئاسة مستقبلاً، باعتقاد أن المسألة بعد (مبارك) ستختلف قواعدها، فإما نقل السلطة الآن الى النجل الأصغر، أو أن يزوي السيناريو كله إلى الأبد.
إلى هنا قد تبدو اللعبة محدودة، أو أقرب إلى "بالونات اختبار" لمدى استعداد الشارع لتقبل التوريث عند محطته الأخيرة، غير أنها سرعان ما تجاوزت تلك الألعاب إلى مستويات أخطر وأفدح بحملات مضادة تزكي الرئيس مجدداً للبقاء في السلطة لدورة سادسة.
فى المرتين بدا الحزب الوطني حريصاً على نفي صلته بحرب اللافتات، كأنه لا تعنيه تلك الصراعات العلنية في الشوارع، وهي حرب توحي بأن صحة الرئيس في خطر، رغم النفي المتكرر إعلامياً وسياسياً، ورغم الأوصاف التى أسبغت على معارضي الرئيس بـ "قلة الأدب" لطرح بدائل له، بينما ويمارس صلاحياته.. هذه المرة صمت (الوطني) تماماً، فاللعبة كما يدركونها أكبر وأخطر مما يتبدى على السطح ـ إنه صراع سلطة صريح، لكن عبر شخصيات اُستدعت من الأرشيف المحفوظ!
وتبدو الصورة أكثر إرباكاً فى معالجات الصحف والمجلات القومية للملف الحساس.. بعضها بالغ بصورة غير مسبوقة فى تغطية لقاء (جمال) مع طلاب الجامعات بما لا يحظى بها سوى رئيس الجمهورية، وهو نفسه استخدم عبارات رئاسية فى هذا اللقاء، رغم أن حدود دوره لا يتعدى ـ رسمياً ـ رئاسة إحدى أمانات الحزب الوطني.. وبعضها الآخر تحدث عن "فتنة التوريث" بين الرئيس ونجله، واتهم المعارضة بالمسئولية عنها!.
إنه اعتراف صريح بأن ثمة فتنة داخل البيت الرئاسي، وأن أطرافاً نافذة فى الحزب والدولة تناهض سيناريو التوريث، ولكنه اعتراف يميل إلى الهروب من مواجهة الحقائق وصراعات السلطة فيها إلى إسناد اتهامات مرسلة للمعارضة بأنها تعمل على الوقيعة بين الأب ونجله.. وكان الأولى السؤال عن حقيقة الجهات التى تبارزت في حرب اللافتات، وأرادت فى المرتين توجيه رسائل سياسية تحمل في طياتها احتمالات صراع مفتوح على السلطة مستقبلاً.
في جانب من القصة تبدو المسألة أكثر درامية، فنحن أمام علاقة إنسانية لها طبائعها الخاصة، فمشاعر الابن تجاه والده مؤكدة، والأب لديه ضعف إنساني طبيعي تجاه نجله الأصغر، وهو لا يريد أن يضعه في الجحيم بيده ـ على ما قال ذات مرة، فهو يدرك الحقائق، ويعرف أكثر من غيره قواعد ومخاطر الصعود إلى السلطة والبقاء فيها، ولكن الضغوط عليه تتصاعد، وبعضها إنساني من داخل الأسرة.. والجديد أن أطرافاً أخرى لها القرب ذاته بدأت تمانع بصوت مرتفع في نقل السلطة من الأب إلى النجل الأصغر، وتعتقد أن اللافتات التى بايعت الأخير تنتقص من هيبة الرئيس وتعمل على وراثته وهو على قيد الحياة.
تتحرك الضغوط على الرئيس في اتجاهات متعارضة، فهو ـ من ناحية ـ مستقر على الترشح لدورة رئاسية جديدة، وليست لديه أدنى نية للامتناع عن الترشح مجدداً إذا ما سمحت بذلك حالته الصحية التى تبدو أفضل مما كان عليه بعد العملية الجراحية الحساسة مباشرة.. وبعض أفراد أسرته يؤيدون هذا الخيار، ويعلنون رفض أى خيار آخر، ولكن ـ من ناحية أخرى ـ يواجه ضغوطاً إنسانية من أطراف أخرى فى الأسرة تدعوه لإفساح المجال لنجله الأصغر، والأخير يعتقد أن لديه فرصة الآن.. وأخذ يقترب من الملف بطرق جديدة تحاول أن تخرج من الشرنقة التى وضع نفسه فيها داخل دوائر رجال الأعمال.. مرة، بدعم خفي لفكرة تقليد الوسائل التى يتبعها أنصار الحركات الاحتجاجية في التعاطى مع الرأى العام، أو أن يبدو شعبياً، له جمهور ومريدين خارج الحزب ورجال الأعمال. ومرة أخرى، بإبداء الاستعداد للحوار مع المثقفين.. والفكرة الأخيرة بدأت تستولي على تفكيره، وقد عنّ له أن يدخل حواراً موسعاً مع المثقفين، على النحو الذى كان يقوم به الرئيس (مبارك) لسنوات طويلة على هامش معرض القاهرة الدولى للكتاب، ولكن الفكرة اُستبعدت مؤقتاً، فهى قد تودي بفرصه بصورة خطيرة، فالقطاع الأغلب من المثقفين يناهضون سيناريو التوريث، ويصعب أن تشارك أية شخصيات لها ثقلها ووزنها في هذا الحوار، والذين سيشاركون فيه سيتعرضون لحملات إعلامية تنال من اعتبارهم العام، ومنه شخصياً، فضلاً عن أن هذا الحوار يصعب أن يكون المتحدث الرئيسي فيه غير الرئيس نفسه.. ومع الاستبعاد المؤقت لهذه الفكرة ظهرت فرصة جديدة أمامه لاقتراب مختلف من المثقفين، لكن هذه المرة عبر مكتبة الإسكندرية ومديرها د. إسماعيل سراج الدين، وهو رجل لديه طموحاته، وله تصورات وأفكار عن مستقبل الثقافة في مصر، والسياسات الثقافية الواجب اتباعها، وقد عرض هذه الأفكار والتصورات العامة في اجتماع ضمه إلى أمين السياسات.. وتاليا أخذ يطورها وينقّح فيها مع مساعديه بتكليف مباشر من جمال.. وفي النهاية صاغ ذلك كله في ورقة وضع توقيعه عليها بجوار توقيع جمال مبارك، الذى ناقشها معه في أكثر من اجتماع ضمهما معاً.
في وقت لاحق، وحرارة الجو السياسى تشتد، دعا جمال مبارك نحو (15) شخصية لها صلة بالعمل الثقافي للاجتماع فيما يشبه حلقة حوار، أو ورشة عمل، حول هذه الورقة.. ومن أبرزها أركان وزارة الثقافة مثل: الدكاترة جابر عصفور، عماد أبوغازي، فوزي فهمي، فضلاً عن الأستاذين السيد ياسين وإبراهيم المعلم. وبحسب ما تسرب فإن بعض الذين شاركوا فى الحوار وجهوا انتقادات حادة إلى الورقة، وقالوا إنها لا تمثل سياسة ثقافية متماسكة وقادرة على الاقناع.. لكن الانتقاد الحقيقي، الذى لم يتطرق إليه أحد فى هذا الاجتماع المثير، أن فكرة الورقة الثقافية فى هذا التوقيت فيها استباق لـ (مؤتمر المثقفين)، يصادر أعماله قبل أن يبدأ، ويقرر نتائجه قبل أي حوار فيه، ويمنع أية انتقادات للسياسة العامة للدولة، وأولها السياسة الثقافية الحالية.. فلا معنى لمؤتمر مثقفين بلا حرية حوار فيه، وأن يكون الحوار بلا سقف، وأن يدخل إلى المشاكل والمعضلات الحقيقية التى عطّلت الحياة الثقافية فى البلد، وأن يضع أهل الاختصاص في الميادين المختلفة الحلول المتصورة، والتي يشكون من تفاقمها، أما أن يتحول إلى جهاز ملحق بـ (أمانة السياسات)، فهذه مسألة أخرى، ستنسفه قبل أن يبدأ، فالمفترض فيه أن يتسع للمثقفين باختلاف توجهاتهم، وقطاع غالب فيهم يناهض التوريث.. والمفترض فيه أن يكون مؤتمراً جامعاً للمثقفين لا منتدى سياسيا باسم الثقافة لتمرير سيناريوهات لا يقبلونها.. وإذا كانت الدولة جادة فى إنجاح هذا المؤتمر، فإن من ضرورات النجاح أن تترأسه شخصية ثقافية أو أدبية مستقلة ومقبولة من جماعات المثقفين على اختلاف توجهاتهم، وأن يفسح المجال واسعاً لحوار جدى فيه، ولا تفرض وزارة الثقافة عليه أجندتها مسبقاً.. وهذه كلها اختبارات حقيقية لجدية الفكرة وسلامة الدعوة، أما القفز بـ "البراشوت" عليه، فسوف يعمقّ أزمة الدولة مع المثقفين، دون أن يؤدى ذلك إلي ترميم علاقة (جمال مبارك) معهم، فالقصة أكثر تعقيداً بكثير من تلك المقاربات.. ولكن اللافت ـ في سياق أحداث وتحولات أغسطس الحارق ـ أن "الوريث المحتمل" فى عجلة من أمره.. يريد أن يقطع مساحات جديدة فشل حتى الآن فى اختراقها، ويريد أن يتعامل معه السياسيون والمثقفون باعتباره: "الرجل القادم" علي مقعد الرئاسة، ولكن تلك معضلة كبرى يصعب تجاوزها بلافتات على طريق عام، أو بانتداب شخصيات من الأرشيف المحفوظ، أو بـ "قفزات براشوت" على جماعات المثقفين!
العربي القاهرية
الأحد 8 أغسطس 2010

مشاركة مميزة