الجمعة، 7 مايو 2021

المغرب للجزائريين حبيب / 28

kolonagaza7

 

المغرب للجزائريين حبيب / 28

الرباط : مصطفى منيغ

اكتشفتُ أن الفندق مخصَّص لشخصيات عسكرية ومدنية مشاركة بطريقة أو أخري في إنجاح ملحمة المسيرة الخضراء ، بإضافة بعض وفود الدول الشقيقة والصديقة التي حضرت لدعم المغرب في قراره التاريخي المعبّر عن إرادته في تحرير أقاليمه الصحراوية من الاحتلال الإسباني ، بأسلوب سلميّ أثار ما جعل المغرب عنواناً أولاً ، في وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب عبر أقطار العالمُ ، تضمَّنت مقالاته بلغات متعددة ، إعجاباً وتضامناً مُطلقاً لمُحِبِّي الحقّ حينما يُستَرجَعُ بالحقّ ، وأيضاً تعاليق مشوبة بالترقّب ممّا ستتخذه اسبانيا المعنية الأقرب بالموضوع من رَدّ فعل . في لحظة كنتُ و"الشيخ المكي الناصري" ، المقيم في غرفة بجواري ،  نسترجع ذكريات الماضي حينما تقابلنا في مدينة "القصر الكبير" أثناء زيارة قام بها لتفقد فرع حزبه "الوحدة والاستقلال" الذي كان من رواده ساعتها صديقي وأستاذي "العياشي الحمدوني" ، الحزب الذي مَثَّل صحبة حزب الشُّورَى والاستقلال ، المنافس الأمثل والمزاحم السياسي الأقوى لحزب الاستقلال ، خلال مرحلة بناء الدولة المغربية مباشرة بعد استقلالها ، وقبلها بقليل أعوام ، اندثر الأوَّل وعمَّر الثاني إلى يومنا هذا ، بينما نحن في مثل النّقاش وإن أبعدنا عمَّا نعيشه بكل ما نملك من مشاعر الرجاء لتمرّ أجواء المسيرة لضفة النصر المتكامل الهدف في تحقيق المراد بعودة تلك البقعة الصحراوية لأحضان أصلها المغربي دون مواجهة أحد وبخاصة الإسبان . اقترب منا رئيس الوفد الأردني ، رجل مُسن من أسرة العاهل الأردني ، موجهاً لي سؤالاً يتعلق بالمسيرة والصحراء الموجهة لها تلك المسيرة ، أجبته بأدبٍ جمٍّ : - ولما لا توجه سؤالك لشيخنا الأستاذ المكي الناصري الذي باستطاعته أن يفيدكَ في الموضوع أزيد مني بكثير . ابتسم وهو يجلس بجانبي قائلا :

- هندامكَ هو السبب، أجل هندامك الذي لم تغيِّره من مدة كما يبدو ، إمّا أنكَ لا تملك غيره ، أو داهمكَ الوقت حتى نسيتَ نفسكَ لتغدو بمثل المنظر ، أم من سفرٍ طويل وصلتَ هنا مباشرة ، وكلها أشياء أثارت فضولي لأسألك ...

قاطعته بطريقة مهذبة ، حتى أرضيه ما أمكن  فيسمح لي بردٍ مهما كان فحواه مفعم سيبقى بالصِّدق والصراحة وطيب خاطر.

- من العاصمة الجزائرية جئتُ مُطارَداَ من طرف رئيس نظامها المانع المغاربة في تلك الديار من تلبية نداء ملكم المشاركة في مسيرة ، ابتدعها يخلّد بها ذكراه كمحرر للصحراء بالإضافة للقب باني المغرب الحديث، لم انتبه لحالي لانشغالي المطلق بالحدث العظيم الذي سيمكنني والملايين المغربية الافتخار بالمشاركة المباشرة أو غير المباشرة فيما سيجعل المغرب ملكاً وأمة ودولة قادراً ، للحصول على حقه المشروع متى عزم وقرَّر ونظم ولبَّى نداء لحظة الحسم المبين ، المُنطلق من عبقرية ملك سيذكره التاريخ من بين زعماء العالم الذين حققوا لشعوبهم المجد والرّفعة والسؤدد، لا يهم هندامي أكان من حرير أبيض نقي لامعٍ أو من ثَوْبٍ خَشٍّ خَشِنٍ وسخ أقرب لونه للسواد ، المهم أنني هنا في الوقت المناسب لأشارك بالوسيلة المناسبة ولو أدى الأمر لتلقى صدري أول رصاصة يطلقها المحتل الاسباني إن بلغ به التهوّر حد الجنون . وإن فرض عليّ الواجب أن أشكرك ، سأفعل ذلك ليس لاعتنائك أو اهتمامك بمنظري ، ولكن لمشاركتك بقية الوفود في هذا الموقف العظيم ، الذي رغم انشغال الجميع بالمسير ودوماً إلى الأمام لكسر حاجز الحدود المصطنعة ، سنحافظ للأقصى ليظلّ هندامكم جميعاً ناصع النظافة بمحلول افتخار رائحته الزكية يذكركم بالموقف الشجاع النبيل الذي وقفتموه مع المغرب وهو لا ينسى مسانديه بالحق ما دام على حق .

... من بعيدٍ لمحتُ أحد الأشخاص يشير برغبته في اللحاق به إلى خارج الفندق  ، سلّمت على الاستاذ الشيخ المكي الناصري بما يستحق من توقير ، والضيف الأردني الكبير السن والرتبة  ، الذي   قبل الانسحاب منحني  بطاقة تحمل أرقاماً هاتفية وعنواناً في العاصمة "عمَّان" ، طالباً منّي زيارته في "الأردن" قريباً ليحظى بشرف استقبالي هناك . وجدتُ الشّخص يطلب مني ركوب سيارة لننطلق نحو "أكادير" ، لم اسأله عن الوجهة المقصودة ليقيني أنه من أعوان الوزير البصري ، إلى أن وصلنا متجراً متخصّصاً في بيع الألبسة الجاهزة ، بالداخل طلب مني الشخص أن اختار بذلتين اثنتين بما يلزمهما من ألبسة داخلية وقميصين وحذاءين ، لم أناقش بل توجهتُ لأنتقي ما يناسبني من المُحَدَّد ، في طريق العودة طلب مني ملازمة غرفتي حيث سأتناول العشاء مع ضيف مهم لم يطلعني على اسمه ، فأظهرت له استعدادي  وبكل سرور .  ... مع نفسي كما أناقشها كلما أحست أن أمراً ليس عاديا سيحدث ، قد يصيب ما أتمناه أو يخيّب ظني ، ليس اللباس الذي وصلني مطابقاً لحد ما ، مع الحديث الدائر بيني من وقت قصير مع رئيس الوفد الأردني ، وارد أن يكون طَرقَ مسامع مراقبين مكلفين بالإنصات  ثم التحليل الجدّي المعمّق حتى لزقزقات العصافير بين أشجار البرتقال المنتشرة حول بركة مكان رَاقٍ الرَّاسي فوقه من بناء غرف عالية الدقة في تنسيقها الملتصق مع الطبيعة التي تحتضنه عبر مساحة فضفاضة ، داخل فندق رواده ضباط من القوات الجوية الملكية ، وشخصيات رسمية على قدر سامي من الأهمية الوظيفية التنفيذية ، وأخري لها وزنها الاجتماعي ، والعبد لله الإنسان المتواضع مثلي  اسمه مصطفى منيغ . وأنا استرجع تلك الأيام انطلاقا من أمكنة معينة داخل أرض الوطن ، تيقّنتُ أن المغرب دولة أرادها الملك الحسن الثاني أن تكون منظمة أيام الشدائد كأيام الرخاء لا فرق ، بمعنى أن لا تُترَك أي صغيرة لصِغَرٍها هائمة دون تحديد موقعها وما ترمي بوجودها الوصول إليه مشروعاً من حقها أو ليس مشروعا ، لم تكن المسيرة بحجم القائمين على متابعة تنفيذها على الأرض شبراً شبراً، بما تتطلبه من امكانات أولها حاجيات 360.000 نسمة من أكل وشرب وتلقين معلومات وأمن، لم تكن في حاجة ساعة الانطلاق كلحظة توقف ، إلى إعادة النظر أو معالجة نقص فارض لخلل ما ، بل كل في موقف مسؤوليته تصرَّف كبطل وزعيم ، كأن أمر نجاح تلك المسيرة نجاحاً مُستحقاً ألفا في المائة يخصه لوحده ، وتلك شيمة المخلصين لوطنهم مهما كان حجمهم الوظيفي من وزير إلى غفير ، أومن لواء لمجرد مجنَّد للأمام عازم تنفيذ الأوامر دون التفات للوراء . (يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

https://australia-mjm.blogspot.com

الأربعاء، 5 مايو 2021

المغرب للجزائريين حبيب / 27

kolonagaza7

 

المغرب للجزائريين حبيب / 27

الرباط : مصطفى منيغ

في محطة القطار بمدينة مراكش ، وجدتُ السيد "محمد طريشة " ، الذي أصبح فيما بعد عاملا على اقليم :تَاوْنَاتْ" ، ثم والياً علي ولاية "الدّاخْلَة"، ينتظرني ليخبرني أن الملك سيتحرك نحو مدينة "أكادير" فكان على الوزير "إدريس البصر" أن يسبقه إليها ، فأمره أن يضع رهن إشارتي سيارة بسائق لألحق به إلى هناك ، وقبل ذلك سيأخذني لفندق (م) لأسترح قليلاً ثم أواصل سفري في حفظ الله ورعايته ، وجدتُ الفندق مزدحماً بالكثير من الشخصيات الرسمية ذي المناصب في الدولة سامية ، المعروفة لدي وغير المعروفة ، لمحتُ منهم السيد "أحمد بن سودة" مدير الديوان الملكي ، وهو يسلّم على مجموعة من الطلبة الصحراويين المتابعين دراستهم الجامعية في اسبانيا ، ومن بينهم "خلّي هنا ولد الرشيد"، بعدها اتجه صوبي ليحييني بصوت مسموع :

- أهلاً بالبطل منيغ ، سيدنا جلالة الملك بلغه ما قمتَ به في الجزائر مع الرئيس الهواري بومدين أولاً بأول ، وأوصانا خيراً بك ، هذه بطاقة تتضمن أرقام هواتفي كلها ، اتَّصل بي متى عدنا من المسيرة إلى الرباط ، لنتناقش ولنا من الوقت ما يسمح ، علمنا أنك اخترتَ مدينة "وجدة" لتستقرّ فيها ، سأتَّصل بعامل إقليمها ليكون باب مكتبه مفتوحا لك متى شئت ، طبعاً أنتَ ذاهب إلى "أكادير" ، قد نلتقي هناك وإن تعذَّر الأمر لأسبابٍ أنت تفهمها ، اتصل بي كما طلبت منك حالما أعود إلى مكتبي في الرباط .

... هي لحظات قلائل حتى عاد السيد "محمد طريشة" مرفوقاً بالسائق (لونه أسود) الذي قدَّمه لي مضيفا أنه مزوَّد بكل التعليمات المحمِّلة إياه مسؤولية الوصول بي لمدينة "أكادير" حيث المكان الذي ستستقرّ فيه لغاية أن يبعث في طلبي معالي الوزير .

طوال المسافة داخل تلك السيارة المريحة حتى في هدوء صوت محركها، اقتحمني شعور غريب يضغط على عقلي ليجيب عن سؤال خرجتُ ببداية صياغته من ذاك اللقاء الذي تم بيني وتلك "الشرطية" المحترمة ، في القطار وهي تنهي فقرة من حديثها معي بالجمل التالية :

- "وإنه اجراء الهدف منه المحافظة على شخصكَ لأهمية ما تمثله وما يُنتَظر  منكَ القيام به".

ما أمثِّل ؟ ، وما المُنتَظَر لأقومَ به ؟؟؟ ، طبعاً للعقل مهمات أخرى أهمّيتها لا تقبل مزاحمة مثل الحَيْرَة العاجزة عن إيقاف سلبياتها بإقناع العقل نفسه ، حيرة المجهول لَفَّها برداءٍ من غموضٍ لا لون له ولا منفذ بأي وسيلة مستعملة لضبط حجم قوة شبكته المصطاد بها راحة المَعْنِي ، المسلَّطة عليه عناية غير مفهومة، تظل مُعتمِدة الإبعاد ارتكازاً عن تتمَّة الفحص ، وضبط المحصَّل كنتيجة صافية نقيَّة مائة في المائة .

... أن يقوم شخص بمفرده بما قمتُ به في تلك الديار الجزائرية المُحصَّنة بنظام واضع لكل ثغرة حراس مختصِّين في أعمال المراقبة الصارمة ليل نهار، حتى "الذبابة" في حاجة لأذن مُسبَق كي تمرّ لأي سبب أمامهم، ويخرج منها سالما منتصراُ؟؟؟، مَن يصله منهم مثل النبأ اليقين (وكل المؤشرات تؤكد أنه وصلهم بالفعل) ّ، يعتبر الواقع من العجائب غير القابلة للتكرار مستقبلاً على الإطلاق .   كيف لإنسان عادي بسيط مثلي أن يخترق أكثر من جدار بشري ، له موظفوه ومسؤولوه لا خيار أمام أدنى عنصر فيه ، سوى التبليغ الفوري المنتهي في توقيت زمني قياسي من حيث السرعة ، بإلقاء القبض على الزاحف المُعتقد انه  غير مرئي يلج الممنوع ولوجه ليتصرف حسب هدفه المُبَيّت ويرحل كأن شيئا لم يكن ؟؟؟. كيف لرجل أعزل مثلي أن يساهم مساهمة فعَّالة محوريَّة في تنظيم عُرْسٍ مسرحي بمواصفات عالمية ، تفتخر الجزائر رئيساً وحكومة بإنتاجه ، يقدرُ ُعلى بعثرته بالكامل لحظة رفع الستار على كاتب ياسين متربعاً وسط الخشبة شله الذهول من هول المفاجأة ، بينما طفلة صغيرة تتقدَّم نحو الرئيس الهواري بومدين ، حسبها الجميع ، بما تحمله من باقة ورود ، أنها جزء من مقدمة الحفل الضخم ، لتقدِّم لفخامته رسالة يفتحها مبتسماً ليقرأَ في ورقة كُتِبَ فيها :

- ستكون "مسيرة خضراء" رغم أنفك

إمضاء : مصطفى منيغ .

... ألا يحتاج ما سبقَ لدراسةٍ لتُدرَّس فيما بعد لأجهزة معيّنة ، وسائل إيضاحها دلائل تقارير أقواها ما ذكَّرني به الاستاذ أحمد بنسودة ، وهو يصرح لي أن الملك أوصاهم بي خيراً وقد اطَّلع على ما قمتُ به أولا بأول ؟؟؟، لكن هناك من يجتهد ليحصِّل من الحدث على نصيبٍ يرفعه درجة فوق ما لا يستحقّ ، وهنا طرق ذهني (م/ب) القنصل العام للمملكة المغربية في الجزائر العاصمة ، التابع كان لوزارة الداخلية رغم منصبه المفروض أن يكون بموجبه ضمن موظفي وزارة الخارجية ، لكن للحاجة تصرّفات غير محسوبة على الطبيعي مَضموناً وليس شكلاً ، فتركتُ الأيام تتكلَّف بأطهار المزيد من الحقائق الضامنة مصداقية ما ذهب تخميني إليه من استغلال ذاك المسؤول مواقف بذاتها لصالحه ، وهو أبعد ما يكون حتى عن أخبارها لولا العبد لله مصطفى منيغ المخطط والمنفذ لها جملة وتفصيلاً ، إلى أن جاء يوم علمتُ فيه أن ذاك الشخص، غُيِّن عاملاً (محافظا) على إقليم (محافظة) "الصويرة".

وصلت إلى مشارف "اكادير" في ساعة جد متأخرة من تلك الليلة ، فكان في استقبالي السيد مجيد ، رئيس الجامعة الملكية لكرة المضرب ، وصاحب ذاك الفندق (كما قبل لي بعد ذلك) المشيدة غرفة المستقلة كل واحدة عن الأخريات ، فوق مساحة خضراء شبيهة ببستان ضخم تتوسَّطه بركة ماء ، في تنسيق هندسي مفتوح على فضاء ، يضيف لجماله جمال طبيعة تلك الناحية ، الوافد للتمتع بجوها الرائع الكثير من السواح مهما كانت الفصول صيفا أو شتاءا ربيعا أو خريفاً . لم يغادر السيد مجيد حتى أوصلني بنفسه للغرفة المخصَّصة لإقامتي التي  وجدتُ داخلها وجبة عشاء فاخر رغم تأخّر الوقت . (يتبع)      

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

https://australia-mjm.blogspot.com

الاثنين، 3 مايو 2021

المغرب للجزائريين حبيب / 26

kolonagaza7

المغرب للجزائريين حبيب / 26

الرباط : مصطفى منيغ

أخبرني السيد "ألقُرْطُبِي" مدير ديوان عامل إقليم وجدة ، أنَّ الأخير سيستقبلني في مقر إقامته الشخصية صحبة السيد "أحمد الصفَّار" رئيس قسم الشؤون العامة ، بالفعل اتجهنا صوب المكان المُعيّن ليرحب بي السيد "محمد الدبي القدميري" في مدخله ، بحفاوة ملحوظة ، جعلتُها توطئة لكسب بداية تعامل مُفعمٍ بصداقة منشودة تُطِلّ على مرحلة جديدة ، من الخدمة لصالح الوطن عامة ، وناحية المغرب الشرقي خاصة ، وكلما تعمَّق الحديث بيننا اكتشفتُ الحمل الثقيل الذي ينتظر مني أن أُحضِّر نفسي لتحمُّله ، وأن كنتُ في حاجة لعطلة استردُّ بها طبيعتي مع أهلي ، لأمحو عنهم القلق الذي عايشتهم فيه ، خلال مدة غير قصيرة ، علموا أثناءها بحجم المخاطر التي من الممكن التعرُّض إليها داخل جزائر نظامٍ ، حكمه لا يرحم مَن اكتشف أنه يسبح خارج تياره . سألني عن شعوري وقد عدتُ لبلدي في أحسن حال بعدما قدّمتُ ما يُشرِّف كل مغربي ، أجبته بلغةٍ تضع حداً لدبلوماسية ليس الآوان يسمح بمبادلتها مع إنسان لم يغيِّر بعد هندامه العالق به ما يُذَكِّرُ بذاك الخَندق المشؤوم ، حيث قلتُ له :

- اعتقدُ سعادة العامل أنك لم تشرفني بالحضور داخل هذا المقام المحترم لتسألني عن شعوري ، وإنما لأمرٍ أكثر من ذلك بكثير ، جعلكَ تؤديِّه خارج مكتبك لتضفي عليه صبغة الغير رسمية ، وهذا في حد ذاته يؤكد لي مستواه المُتَّصل مباشرة بأوامر عليا ، معطاة لك من القمة ، واعلم أيها العامل أن المغرب كل دقيقة تمر على مسؤوليه في مثل الجلسات ، تعدّ ضائعة من وقته الثمين ، وهو يستعدّ بمجهود متواصل من طرف ملك البلاد ، لتحرير أرض بكيفية نجاحها في تعبئة الكل للكل ، فأرجوك تبليغي بما بَلَغَكَ لتُبَلِّغَهُ إليَّ ، أمَّا ما اشعرُ به سأنظمه في قصيدة شعرية سيأتي مَن يتلوها عليكَ . وشكرًا على حفاوة الاستقبال وحسن الضيافة ،

وقف مُكابِداً اصطدام كلماتي بأسلوب تعامله معي ، لكنه كرجل أمْنٍ محنَّك، تغلَّب على إحساسه ذاك، وصافحني بحرارة وهو يخبرني أن وزير الداخلية السيد "إدريس البصري"، يودّ اللقاء بي غداً في مدينة مراكش ، التي حالما أصلها سأجد أحد معاونيه السيد " محمد طريشة" وهو ينتظرني  في محطة القطار ليصحبني حيث معالي الوزير ، الذي ألحَّ عليّ أن أذهب إليه ، السيد أحمد الصفار سيقوم بكل الإجراءات ليتمَّ سفري بالقطار سفرا لا ينقصه شيء ، هناك حجرة موضوعة رهن أشارتي الليلة  في فندق (...) ، وأن لا أنسى استيقاظي مبكراً لألحق موعداً قد يكون الأهمّ بالنسبة إليّ، مع أمل اللقاء به مُجدَّدا.

... للسياسة أخلاق ، تتنافى مع تربيةٍ قائمة على نبذ النِّفاق ، تعاملها في مجالات متعدِّدة على أوسع نطاق ، فسحَ المجال لتصرفات أغلبها بالنسبة للمستقيمين لا يُطاق ، لتكريس ما يعرقل شمولية وحدة مرغوب فيها بما يشبه الفراق ، بين كُثلٍ موزَّعة رغم قلّتها على أحزاب ، حتى المُعارِضَة منها ميَّزها التعصُّب لأيدلوجيات أبعد ما تناسب الفكر المغربي الأصيل ، القائم على إحقاق الحق عن طريق نضال نظيف ، لا ينحني لتبعية تتبنَّى الباطل وتتحيَّن الفرص للانقضاض على مشروعية الأصل الطبيعي للضروريات ، التي لا تستقيم الحياة الاجتماعية المطمئنة الآمنة إلا بها . المغرب الشرقي ورث الجديَّة لدرجة تبشٍّر كانت بتطور يُقرِّب الوضوح والتفاني في الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع مهما تشعبت إمكانيات الحصول على لقمة العيش ، البريء من شوائب المغالطة المقصودة ، أو المكر ذي الألف وجه ووجه . الرَّجل رجل هو والمرأة امرأة هي ، إن اجتمعا على شريعة الله سبحانه وتعالى ، ساهما في نتاج مجتمع يتوفّر على مقومات الاستمرار بما أمر به الله الخالق الحكيم القدير . لا خروج عن العرف أو التقاليد المتّبعة منذ أيام "زيري بن عطية " مؤسس مدينة "وجدة" العتيقة ، كنواة تفرز أسد الدفاع عن التراب والعرض منذ القدم ، بسلاح التشبث بالايمان العميق المرئي بالضمير النقيّ ، نوراً يُتَّبع هَدْيُه  ، وظلاما يُجْتَنَبُ إثمُه مادام لاي خير أو أصلاح أو صلاح يعيق . بالرغم من تزاحم الأطياف العِرقيَّة ، والطوائف بكل مَن شكَلَّ لأسباب تُبقِى ما يتعقب وجودها على مر المراحل من بقية ، وجذور مزروعة في وجدان بعض الخَلق أكثرية كانوا أو أقلية ، من ديانات سماوية ثلاث اليهودية والمسيحية والإسلامية وفق الترتيب  الزمني ، والمدّ والجزر المحدث حسب الظروف بين المغرب والجزائر، واستعمار قريب كالفرنسي أو المجاور كالاسباني ، بقيت مدينة وجدة شامخة مرصََّّعة مساحتها بأوسمة الأزمنة الغابرة كالحاضرة ، بما يُضفي عليها هالة من الوقار ، يُبقيها معززة مكرَّمة إلى أن يرث الله السميع العليم الأرض ومن عليها ، محور تعايش سلمي بين الحضارات وبعدها الأديان وبعدها العقليات ، في جوّ مُتجدِّد تلقائياً يسوده العودة للحق ، وإن زحف بين الحين والآخر ، الباطل ليبعدها مهما اتّخذ من مظاهر ، أعلاها مصبوغ بلون الأمل الوردي ، وأسفلها القار يغلي في قعر مستعد للانفجار ، محولا المدينة سوداء سواد تركيباته المعقدة بانفعالات الحسد والحقد والضغينة ، لكنّها وبحرص أهلها الكرماء الشرفاء وتجربتهم الطويلة مع الطالح قبل الصالح ، استطاعت النأي عن المشاكل ، والتعامل بالتي كانت الأقوم ، وبخير الأمور أوسطها ، حتى عمَّرت لما يزيد عن الألف سنة ، مرفوعة الرأس متكاملة متى شاءت ضمان الاكتفاء الذاتي من الأساسيات فرضت ما يحقِّق ذلك. 

على هذا النمط من التفكير المكثف المركَّز على استخلاص موقف أتخذه علامة مميَّزة لمرحلة ، تمنّيتُ أن أواصل معها مقامي في هذه الناحية التي ارتحت إليها ، لدرجة أنني شرعت من أعوام قليلة على تكوين أسرة تحمل اسمي وتتربّى في كنفي ، انطلاقاً من قرية "عين بني مطهر" التي أكنُّ لمقامها وأهلها كل المودة والاحترام ، القرية التي جئتها زائراً من المملكة الهولندية لخمسة أيام فقط ، تحوَّلت لإقامة استمرت لخمس سنوات ، لأسباب سأخصِّص لها حيّزاً من كتاباتي مستقبلا ،ً على هذا المنوال والقطار المتوجه لغاية مراكش يطوي بي المسافات في سباق منظّم مُسْبَقاً مع الزمن داخل مقصورة في الدرجة الأولي المخصصة للميسورين حالاً ، تقابلني كلما التفتت عيناي صوبها ، نظرات امرأة قادني إحساسي الذي عادة لا يخطئ ، أنها مركزة الانتباه على شخصي لأمر لن أتأخَّر في معرفته ، حيث بادرتني بصوتها الناعم وهي تخاطبني :

- أظن أنك الاستاذ مصطفى منيغ الذي لن أفشي سراً إن أخبرته بوظيفتي كشرطية موكول لها أمر حراستكَ طيلة رحلتك المنتهية في مراكش ، وإن كنتُ لا أعلم من أمركَ أكثر من كونكَ بطلاً عائداً من الجزائر بعدما نفَّذتَ عملية لا حديث يومه كالبارحة ، بين الرسميين الأمنيين في تلك الدولة إلاَّ عنك ، والكيفية التي تعاملتَ معها لغاية فراركَ عبر ممَّر "زوج بغال".

- مَن يضمن لي أنكِ فعلاً ما تدَّعيه؟.

- الا تكفيك هذه البطاقة المهنية التي أقدمها لك لتطّلع بواسطتها على اسمي والرتبة التي حمَّلتني الإدارة العامة للأمن الوطني مسؤولية القيام بما تقضيه قانونا ؟، لو كنتُ مكانكَ لسادني الشك ولغمرني الخوف وأنتَ مُطارَد من طرف عدوٍ شرس ، ألحقتَ به في قعر داره ما شكَّل سخرية متداوَلَة ، ولو بكيفية محدودة بين صفوف أقرب المسؤولين لإصدار القرارات المنفَّذَة فوراً وبدون نقاش ، لقد قضيتُ ليلة البارحة في نفس الفندق مثلك ، هذه المقصورة  ذات المقاعد الست محجوزة لكلينا معا ولا أحد آخر ، لأسباب أمنية صرفة ، وكل هذا بتنسيق بين عامل الإقليم السيد محمد الدبي القدميري ،  ورئيس الأمن الإقليمي السيد محمد بناني ، مع إشعار الأجهزة المركزية المعنية ، وإنه اجراء الهدف منه المحافظة على شخصكَ لأهمية ما تمثله وما يُنتَظر  منكَ القيام به . (يتبع)

  مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

https://australia-mjm.blogspot.com

 

المغرب للجزائريين حبيب / 25

kolonagaza7

المغرب للجزائريين حبيب / 25

الرباط : مصطفى منيغ

أوصلتني السيارة لغاية المائة متر الأخيرة الفاصلة بيني ومَمَرّ العبور نحو المغرب ، نزلتُ وبيدي كيس أخرجته من صندوقها الخلفي به جلباب رثّ خَشِن المَلْمَس ممزّق تفوح منه رائحة تُبعد عن لابسه العدوّ كالحبيب ، وعمامة غيَّب عن لونها الأصلي وحل يابس ملتقط من مستنقع ماء آسن للذباب الباحث عن مقرِّ وسِخٍٍ جالب ، غطَّيتُ بها رأسي وجزءا من وجهي لأبدو عن سليم العقل ذاك الغريب ، التائه بين المطارح يقتات منها ومتى لفَّ وجوده ظلام الليل غَفا عن الدنيا مُلقَى على ارضٍ مهما كان وضعها لجسده البشري مُتعب ، منظره إن صَحا مِن بعيد مُخيف وعن قُربٍ لا يطيقه حتى الصَّابر على المكاره بصبر استثنائي يستجيب . عزمتُ وتقدّمت لا أتصوَّر إلا وقُوع ما حَكَّمْتُ لأجله مثل الترتيب ، إذ ما كدتُ أدْنُو  من حاجز للدرك الجزائري حتى انْتَهَرَني أحدهم والثاني لوَّح برشاشه أن استمر دون توقُّف مُحيَّاه يُظْهٍرُ وَقْع الرَّائحةِ الكريهة التي صَدَّرَها الجِلباب لأنفه ليشلّ عنه التفكير ولتخطيطي الهدف يصيب ، حتى إذا وصلتُ "الخندق" ألقيت بنفسي داخله لأتخلًّص ممَّا أرتديه وأتسلق الجدار المقابل دون الشعور بما فعله الشوك من تمزيق لبعضٍ من لحم بدني ليطبع دمي كلمة نهاية لمغامرة أعظم ما فيها خدمة وطني داخل الاتجاهين البعيد كالقريب .

... منحنى سائق "التاكسي" الكبير المُكلَّف بنقل المسافرين من "زوج بغال" لغاية وسط مدينة وجدة والعكس صحيح ، ما توفَّر لديه من ماء غسلتُ به وجهي ويداي ، ثم طلبتُ منه أن يسرع في قيادته للسيارة ولا يتوقَّف إلا بباب العمالة (المحافظة) ، بغير إطالة تفكير فهِم أن الأمر يتعلَّق بقضية التوتُّر السائد بين البلدين المغرب والجزائر ، وربما أكون أحد هؤلاء المتعاونين مع السلطة ومن الواجب عليه أن يساعدني ، حتى أنه امتنع عن أخذ الأجرة ، لم اشعر إلاَّ وأنا اقتحم مكتب العامل السيد "محمد الدُبِّي القَدْمِيرِي"  دون استئدان أحد معاونيه أو حراسه ، مستغرباً في ذهول ممزوج بالخوف ، وخاصة من مظهري والدم لا زال يتسرب من جرح في يدي اليمنى ، قلتُ له بعفويَّة مُطلقة وكلمات متسارعة حفاظاً على الوقت : - أتأسَّف سعادة العامل عن اقتحام مكتبكَ الموقَّر على هذه الصفة غير العادية ، لكنك ستبذل ما في وسعك لمساعدتي عندما تعلم أنني قادم من الجزائر العاصمة ، وهناك اثنان من الأصدقاء سيلتحقان بي وعلىّ أن أوفِّر لهما استقبالاً أمنياً لا يضرُّهما ، انطلاقاً ممّا قدماه من أجل الوطن تلبية لنداء عاهل البلاد ، ومتى حضرا ستعلم سعادة العامل كل شيء بالتفصيل ، على الفور طلب من قائد القوات المساعدة ، الذي سارع بإمساكي منذ الوهلة الأولى من ذاك الاقتحام ، طالباً منه مرافقتي لغاية "زوج بغال" لاستقبال ما سيرشدك لمعرفتهما هذا الرجل المحتاج للإسعافات الأولية من جروحه النازفة دماً ، سأتصل بالرئيس  الإقليمي للأمن الوطني ليلتحق بكم هناك للإشراف بنفسه عن العملية  . في المستشفى أحاطتني إحدى الممرضات بعناية خاصة وقائد القوات المساعدة يروي لها ما حصل فسبَّب لي مثل الجروح ، طالبة مني العودة عندما أتمكن من الوقت ليتفحصني الدكتور ، وودعتني بابتسامة لا معنى لها إلا الاعجاب بما فدّمتُ . وصلنا إلى "زوج بغال" لنجد السيد "محمد بناني" الرئيس الإقليمي للأمن الوطني قد سبقنا محفوفا ببعض معاونين من العاملين في الاستعلامات والشرطة القضائية وغيرهم المستعدين للتدخّل إن حصل طارئ ، حياني مُبتسماً طارحاً عليّ بعض الأسئلة الخفيفة عن القادمين من الجزائر  اللذين كما قال لي بالحرف الواحد :

 - ألقيتَ بسببها نفسك للتهلكة خاصة وأن أحد أفراد شرطة هذا المقر لمَحَكَ وأنت تتسلَّق ذاك الجدار فكاد يرميك بنار مسدسه ، لولا اتصاله الفوري عبر خط مفتوح بيننا ، لنأمره عدم القيام بذلك حتى لا يتَّخذها الجانب الجزائري ذريعة لنشوب مواجهة لا يحمد عقباها ، فاكتفي بمراقبتك من بعيد ومدَّنا برقم التاكسي الذي أسرع بك إلى مقر العمالة ، فكنتَ رهن مراقبتنا أولا بأول ، البقية أطلعني عليها السيد العامل طالباً مني القيام بواجبي في مثل الحادث ، وأن أواجهك بما يليق بك من احترام وتقدير ، سنلتقي  لا محالة في إطار تعاون أساسه خدمة الوطن وخاصة في هذه الظروف .

... لم يترك لي وصول الصديقين ، سوى أن أقدمهما إليه لتقوم الشرطة بتسهيل دخولهما لأرض وطنهما في أحسن الأحوال والظروف. (يتبع)

مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

https://almaghrebalkabir.blogspot.com

المغرب للجزائريين حبيب / 24

kolonagaza7

المغرب للجزائريين حبيب / 24

الرباط : مصطفى منيغ

ليس القلق مَن جفاني النوم بسببه ، بل ازدحام الترتيبات لتتواصل حلقات السلسلة لغاية اختتام العملية في سلام ، منها تزويد الأخ "الشيوعي" بآخر اللمسات للعمل الذي سيقدِمُ عليه بالرَّغم من خطورته ، إن تململ عن تعليماتي المحدَّدة من أَلِفِها إلى يائِها ، مسافة خطوة واحدة تائهة عن خطِّ مسارها ، ذاك العمل الجاعل عقل الرئيس الهواري، يستوعب الدَّرس جيداً ويتيقَّن أنه  تعامل مع السَّراب ومِن حوله مهما بلغت حراستهم لمقامه لن ينفعوه ، فما عليه إلاّ مراجعة تقنيات رُؤاه لما خطَّط برغبة إزاحة المملكة المغربية ، عن طريق طموحاته التي لن تتحقق ما دامت على باطل ، وليبدأ بقراءة التاريخ المغربي قراءة متأنِّية مصحوبة بفهم مؤكدٍ لمجريات أحداثه ، ليقفَ على حقيقة تهمه من عديد حقائق ، أنّ المغرب وصلت لحدوده "تركيا" وعادت لحال سبيلها ، لأنها تمكَّنت من قراءة نفس التاريخ لتحظى  بنفس الفهم الغائب على فخامة الهواري بومدين . القوة مهما بلغت لا تفي بالغرض ، إن استُهلِكَت في هجوم ، قد يحرق اليابس والأخضر لكنها إلى سلّة المهملات مصيرها في تاريخ لا يرحم ، فإلى أي مستقبل وصل إليه "أدولف هتلر" ، أليس للانتحار المُخزي ؟؟؟ ،  وتشريد الملايين من الألمان ، وتقسيم ألمانيا ، لتكون تلك المرحلة الألعن لدى العقلاء عبر العالم ، فعلى المقلِّدين لهتلر ذاك ، أن يسحبوا ذاك التَّقليد من مخيِّخِهم إن أرادوا الخلاص من وهمِ العظمة المبنية على التدخُّل في شؤون الغير ، كما يفعل الهواري بومدين الآن مع المغرب . الصديق " الشيوعي " مكلّف من طرفي ليشرف على "ساعية بريد" توصل رسالة خطيّة مبعوثة من المواطن المغربي مصطفى منيغ ، بأسلوب وطريقة يجعلان وجهتها وتوجهها لا يتوقفان إلاّ و ذاك الرئيس المتربّع على أريكة مستوردة من فرنسا خصيصا لتلك المناسبة ، يقرأ منها ما يقطع أنفاسه للحظات ما رَغِبَ أن يحيا ليعيشها ولو في الأحلام .

... هناك جزئيات تظل بعيدة عن اهتمامات جهاز المخابرات المتيقن أنه قابض على زمام أي زاوية في مربع مهما اتسع فضاؤه ، متحكِّم بما يتوفر عليه من نخب مدربة على أعلى مستوى يعوّل عليها حسب المطروح كمضمون يستحق الأقصى من التركيز. من هذه الجزئيات تشديد الثقة دون التأكد فيمن يتمتع بها ، ومادام لكلٍ نقطة ضُعف ، يبقَى التمكُّن من التسلّل عبر الملتصقة بصاحب علة ، قد يُشْفَى منها مقابل تعامل خاطف ، للحظة مخطوفة محسوبة كانت في توقيت مَن يُفاجَأ بما حصل أثناءه بعد فوات الآوان . صداع حراسة  قائمة على إبراز مظاهر تجعل الحيطة ذاتها تحتاط ، مجرَّد جعجعة في كأس زجاجه مشقوق في جانب لا يلاحظ بسهولة ، فثمة فرق بين جماعة تحرس الموجود من اقتحام مجهول ، وفرد موجود للتحرك صوب الموجود مزود بما يعينه على قضاء مهمته من معلومات خلاف تلك الجماعة المسلحة بما هو اصطناعي وما هو طبيعي كالعقل لكنها ناقصة ما هو أهم من هذا وذاك "الذكاء" ومهما تضاعفت حدّته كان أحسن ، لا يعني هذا التقليل من أهمية جهاز المخابرات الجزائري ولكن هي ملاحظة قد تبدوا متواضعة لكن في مثل الحالات لا تختلف عن الأساسية الواجب أخذها بعين الاعتبار ، الشعب الجزائري في معظمه محب للمغرب وشعب المغرب ، يتجلى هذا في الشريط الذي أعرفه شخصيا طرقا رئيسية وثانوية ومنابع ماء وكثبان رمال وأسر على رأس قبائل يُضرب بها المثل في المروءة والكرم وعزة النفس والدفاع عن الشرف ، الشريط الممتد ، طولا من "بور سَايْ" غرباً ، إلى "القْنادْسَة" و "عين الصفراء" و "بني ونِّيفْ"ّ شرقاً ، وعرضا من أي نقطة من النقط المذكورة لغاية "وهران" محور التعاطف البشري الاجتماعي المغربي الجزائري ، المقابل لوجدة ،   مثل هذه الوضعية حُرَّاس النِّظام من مخابرات ومشتقاتها الأمنية ، لا يعيرونها أية أهميّة ، يتصرَّفون مع الجزائريين كجزائريين وكفي ، وما دونهم مجرَّد خاضعين لدولة أجنبية ، وهذا في حد ذاته ركن من أركان الفشل القائم عليه ذاك النظام بصفة عامة .

... مع الفجر وصل الأخوين المغربيين حيث انتظرتهما ومعي سيارتين احداها مخصَّصة لنقلمها حتى نقطة العبور إلى المغرب ، والثانية موضوعة رهن إشارتي ، وهما يرتِّبان حاجياتهما في صندوق السيارة انفردتُ جانبا ب(ب/ي)  لأسأله عن ذاك القيادي في جماعة البوليساريو، فأخبرني أن المسألة مرَّت ، وذاكرته فارغة أصبحت ، من كل مخزونها السري ، بما يُعري تلك الراغبة في تأسيس دولة داخل دولة الجزائر ، مِن غطاء كل المغالطات الملحقة بالقضية ككل من طرف هؤلاء المرتزقة ، لقد تركناه نائماً بعدما شرب لوحده ثلاثة أرباع تلك القنينة ذات اللترين من أجود شراب فاخر مستورد من بلاد الضباب ، ممّا نبّهني لاستفسر عن مصير القنينة الفارغة ، وكم كان اندهاشي مِن داك الخطأ الفادح المُرتكب (بترك تلك القنينة بجانب النائم المذكور) من طرف عقلين يعيان أن حياه صاحبيهما قد تكون معلَّقة لأشرس انتقام بأقّل منه ، فشرحتُ له الموقف في عجالة موضحا له ، أن المخابرات ستبحث في كل مكان عن أدلة تفسح لها المجال لإتباع أي خيط يوصلها لمعرفة حقيقة ما جرى ، والقنينة تمثل خيطا رفيعاَ يقحم حتى القنصل العام المغربي ، المطبوعة بصماته فوق سطحها ، وحتى إن مسحها ماسح فمعروف مصدرها  أحد المؤسسات الدبلوماسية ، وفي الحالة ليس هناك معنية لدى أجهزة تلك المخابرات إلا المغربية كالقنصلية العامة التي زرناها والعيون جاحظة اتجاهنا ، لذا طلبتُ منه العودة لإحضارها وبسرعة ، التحقَ بي على بعد أمتار (ب/ع) راسماً فوق وجهه حيرة ينتظر مني إيقاف توسُّعها على كامل حواسه بتفسير ما وقع حتى عاد (ب/ي) راكضاً من حيث أتى ، ولما علِم بالأمر هدأَ واعترف بالخطأ المرتكب من كليهما معاً ، بالمناسبة اغتنمتُ الفرصة لأبلغه أن السائق لا يهمه من الأمر شيئاً بعدما توصَّل بثمن عمله مُسبقاً ، لكن يبقى الحذر واجباً ، فليكن حديثهما إن تَمّ على أضيق حيّز ، أما آخر ما يستطيعان الانشغال به فهو النَّوم ثم النوم ، وعند الوصول قبل الاتجاه للشرطة الجزائرية لتقديم جوازي سفرهما كمسافرين عادين عائدين لوطنهما المغرب ، أن يتمعنا ناحية "الخندق" لبضع دقائق ، إن رآني استمرا في الإجراءات الرسمية مع الجانب الجزائري  ، وإن تأكَّدا من غيابي فليتّجها للعبور بإتباع مسلك اطلعتُ عليه محدّثي بحضور الصديق الآخر ، وبين يديه القنينة التي طلبتُ منه الوقوف لقضاء حاجة في الطريق بعيداً من العاصمة ويكسرها تكسيرا يعيِّب به ملامحها بالمرة ، تعانقنا بحرارة وتعاهدنا على اللّقاء حيث الخير في بلاد الخير يَنتظرنَا.(يتبع)

           مصطفى منيغ

سفير السلام العالمي

https://australia-mjm.blogspot.com

 

مشاركة مميزة