الخميس، 12 أغسطس 2010

الشيخ جراح لا "الصديق شمعون"

kolonagaza7
د. أيمن أبو ناهية/أستاذ الاجتماع والعلوم السياسية – غزة
تشهد مدينة القدس اليوم حدوث حسم ديمغرافي وطوبوغرافي وعرقي وديني لصالح المستوطنين اليهود في ظل صمت المجتمع الدولي والأمتين العربية والإسلامية منذ ستين عاما على سياسة التطهير العرقي التي تتبعها دولة الاباردتهايد بجعل من القدس في عام 2020 مدينة يهودية خالصة خالية من السكان العرب. فقد أعلن رئيس بلدية القدس المتطرف، نير بركات، عن تنفيذ مخطط بهدم 7000 منزل داخل القدس، ومصادرة الأراضي وسحب الهويات، وتقليص نسبة العرب القدس إلى 12% من أصل 35%، معلنا بكل وقاحة أن هذه الإجراءات تأتي لإفراغ القدس من سكانها العرب وتحقيق مشروعهم بأن القدس يهودية وعاصمة حضارية لهم، وللعلم دمرت بلدية الاحتلال فقط منذ العام 1994 حتى الآن 1000 منزلا عربيا وعملت على ترحيل أصحابها بعد سحب هوياتهم، ناهيك عن عزل الجدار 125 ألف فلسطيني مقدسي.
وتعرض القدس لخطوات تهويد واسعة تشمل بناء المزيد من المستوطنات والوحدات السكنية وبناء الهيكل المزعوم وحدائق تلمودية ومقاه كما هو الحال في الشيخ جراح وسلوان جبل المكبر وجبل الزيتون وجبل المشارف وجبل أبو غنيم جبل سكوبس، والتلة الفرنسية، بالإضافة لزيادة نسبة الاعتقالات والمداهمات وبناء الوحدات السكنية الاستيطانية وتوسيع البؤر الاستيطانية في الأحياء العربية بشكل متسارع لم يكن مسبوقا من قبل.
ليس هذا فحسب بل أن بلدية الاحتلال تواصل مخططها الاستيطاني مدعومة من قبل الجماعات الصهيونية المتطرفة، تسعى إلى طرد وتهجير واقتلاع الفلسطينيين المقدسيين من بيوتهم وأرضهم وإتمام الاستيلاء على ما تبقى من مساكن وعقارات؛ تمهيدًا لهدمها وإقامة المخططات الصهيونية على أنقاضها، حيث يواجه اليوم قرابة 550 مقدسيا هم سكان حي الشيخ جراح الواقع في قلب الجزء الشرقي للقدس خطر الطرد بفعل التعنت الإسرائيلي القاضي ببناء بدلا منه حي استيطاني جديد.
ولا تطول السياسة الاستيطانية لدولة الاباردتهايد في شرقي القدس حي الشيخ جراح الذي تسعى لطرد 28 عائلة منه فحسب، بل تمتد إلى الشمالي الشرقي باتجاه فندق شبرد الذي استولت عليه دولة الاباردتهابد وحولته إلى مقر أمني, ومنه إلى وادي الجوز حيث تهدد 15 عائلة بالإخلاء، وغربا حيث أخطرت 20 عائلة تقبل العيش في أوضاع إنسانية وصحية مزرية مقابل البقاء في مدينتها، بالطرد. وقد وصلت وقاحة الاحتلال إلى عزمه تغيير اسم الحي ليصبح "حي الصديق شمعون" بدلاً من حي الشيخ جراح، إذ إن هذه الممارسات تكشف عن الوجه الحقيقي للاحتلال، والذي يعمل على تهويد كل شيء في المدينة: الإنسان والجغرافيا والتاريخ، والهوية والمقدسات.
فالمقاومة التي قام بها المقدسيين ومن ساندهم من متضامنين ونشطاء ودعاة حقوق الإنسان دوليين وإسرائيليين هي الرد الأمثل على هذا المخطط الاستيطاني الخطير التي تنفذه دولة الاباردتهايد في حي الشيخ جراح بالقدس، لكن هذا لا يكفي، نسبة للنية المبيتة من قبل المستوطنين، حيث صرح نائب رئيس بلدية القدس المحتلة، دافيد هدراي، أن المستوطنين ينون الاستيلاء على المزيد من هذه البيوت العربية في حي الشيخ جراح، كما دعا نتنياهو زعماء المستوطنين السكن في أحياء القدس العربية لاستحالة أن تغدو القدس الشرقية عاصمة مستقبلية الفلسطينيين.
لذا يجب على جميع من تخصه القدس التحرك لنجدتها ووقف تهويدها بكل ما يملك، إذ أنه في حال نجحت سلطات الاحتلال والمستوطنين لا قدر الله بالاستيلاء على كافة البيوت المعنية في الشيخ جراح فإن ذلك يفتح الطريق واسعا أمام تهويد كل المنطقة بدءا من فندق شبرد وكرم المفتي ووادي الجوز وصولا إلى شارع صلاح الدين.
وفي حال تنفيذ هذا المشروع سوف يكون بمثابة طعنة خطيرة في خاصرة القدس من الجهة الشمالية، وسيستخدم كحزامٍ استيطاني ناسف لتهويد جميع الأحياء العربية ويعمل على عزل المدينة عن امتدادها العربي وطابعها الإسلامي، كما أنه سيُحكم الحصار حول البلدة القديمة من الجهة الشمالية، وهو ما يعتبره الاحتلال من ضمن أهدافه الكبرى لتهويد القدس، إضافة إلى أن إقامة مثل هذا الحي الاستيطاني الضخم في هذا المكان بالذات من القدس، سيفتح الباب واسعًا لاستكمال الزحف الاستيطاني باتجاه التواصل مع مجمع "معالية أدوميم" و"أي وان" وصولا بمستوطنة "هاهما" (جبل أبو غنيم) الاستيطاني أقصى شرق المدينة، كي يسهل ربطها بالشق الغربي للمدينة، وتكون هذه هي المرحلة الأخيرة لاستكمال مشروع القدس الموحدة والعاصمة لدولة الاحتلال.
لقد ذكرت في مقالات سابقة أن المرحلة القادمة ستكون الأشد خطراً على مستقبل القدس، وهذه المرحلة بالذات تشكل منعطفا خطيرا على مصير ومستقبل مدينة القدس والوجود العربي فيها، لذا لابد من دعما عربيا وإسلاميا ودوليا بالعمل الفوري على وضع حد لتهويد القدس باستخدام جميع الأوراق الضاغطة والفعالة في المحافل الدولية، وتجنيد اكبر قدر ممكن من المتضامنين والنشطاء والحقوقيين الدوليين والإسرائيليين ونقل معركة الأحياء المقدسية إلى مقرات مجلس الأمن واليونسكو لوضع المجتمع الدولي في الصورة وتحميله مسؤولية مصير مدينة القدس.

مشاركة مميزة