الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الجذور الدينية في المجتمع اليهودي وأثرها في الموروث الأيديولوجي للأصولية الصهيونية (الجزء الثاني)

kolonagaza
د. عادل محمد عايش الأسطل
لقد سبق وتناولنا في الجزء الأول من هذه الدراسة، الجذور التاريخية للحركات والأحزاب الدينية اليهودية على مر العصور، القديمة والوسطى وحتى العصر الحديث، وامتداداً للسياق نفسه سيتعين علينا، دراسة أولية، لمفهوم الأحزاب الدينية وتطورها التاريخي والمؤسسي، وذلك قبل قيام دولة(إسرائيل)، ثم نعرض لمكونات الأصولية الدينية اليهودية، ومراحلها التي مرًت بها، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية، ومن ثم نأتي على توضيح لماهية (الصهيونية الدينية)، والطابع القومي لفكرها الديني، والحركات المناوئة لها، وأثرها على الفكر الديني اليهودي بشكل عام، ونختم هذا الجزء بتتبعنا لعدد من التيارات الدينية اليهودية المختلفة، التي تفتقت عن كل الاتجاهات الدينية اليهودية، بفعل البيئة المتغيرة سياسياً واقتصادياً وثقافياً لتلك الدول، التي كانت الجماعات اليهودية تعيش فيها.
نشأة وتطور الحركات والأحزاب اليهودية الدينية قبل قيام دولة(إسرائيل)
من المعلوم أن معظم الأحزاب اليهودية، كانت نشأت خارج فلسطين، أي أنها نشأت في الدول الأوروبية، وقبل قيام (إسرائيل)، واعتبر هذا الأمر كأحد خصائصها الرئيسية التي تميزت بها، إذ نادراً ما تقوم الأحزاب خارج الدولة التي ينتمون إليها، وخاصةً الأحزاب التي تتسم بالطابع الديني،
التي تسعى إلى الوصول للسلطة الجمعوية والمؤسسات اليهودية، في الدول الأوروبية المختلفة، بهدف نشر أفكارها وأيديولوجياتها التي تنتهجها دينياً، ومن ناحية أخري للسيطرة على عموم الجماعات اليهودية بهدف توجيهها إلى فلسطين، وهذا يقودنا إلى تعريف هذه الأحزاب الدينية، في (إسرائيل) بخاصة، بأنها تلك الجماعات المتدينة، التي تسعى إلى السلطة الفعلية، من خلال المشاركة في العمليات الانتخابية، مستندةً إلى الدين اليهودي كمرجعية ومنهج حياة، بهدف الوصول إلى السلطة، ومن ثم الوصول إلى الهدف الأسمى، إلى إقامة (الدولة اليهودية)، ذات الحكم الديني الخالص، وتحكم بواسطة التشريعات الإلهية والكتب المقدسة، وتتعهد بالتزامها التعاليم الدينية التوراتية الواردة، ويمكن من هذا المنطلق، تعريف الأحزاب الدينية اليهودية، إجرائياً على النحو التالي:
- وجود تنظيم سياسي كامل ومعروف، (يتكون من أفراد تنطبق عليهم اليهودية)، بمعنى أن التنظيم الديني لا يضم في صفوفه من غير اليهود، على عكس الأحزاب والتنظيمات الإسرائيلية الأخرى التي تقبل بعضوية غير اليهود ضمن صفوفها، وهذا الأمر كذلك يعتبر من أحد الخصائص للأحزاب الدينية في إسرائيل.
- أيضاً فإن على أي تنظيم أن يتصف بالدوام والاستمرارية، على الصعيد الوطني والمحلى.
- لجوء التنظيمات إلى اعتناق أيديولوجيا دينية، ومحاولة السعي إلى تطبيقها.
- عدم الاعتراف بالدستور والقوانين الوضعية، واعتماد التشريعات الدينية والكتب المقدسة فقط.
- نبذ كافة أشكال العلمانية، وأية أنظمة أخرى، والدعوة إلى الالتزام الديني في السلوك العام، خاصة فيما يتعلق بالمرأة، من حيث مكانتها وعلاقتها مع المجتمع بصفة عامة، وما يتعلق بالطعام(الكوشير- الطعام الحلال)، وغير ذلك من الأمور، التي تدخل ضمن النطاقات الدينية.
- النظر لمفهوم الدولة اليهودية وحدودها وفق الترسيم الديني.
- الاعتراف بالمواطنة والهوية، وفق الرؤية الدينية والتشريع الإلهي.
إذاً، فالحزب الديني هو الحزب الذي يقوم على عضوية أبناء دين واحد فقط، أو الذي يقوم على فكرة الحكم الثيوقراطي أي حكم رجال الدين للدولة.
ويعتبر مفهوم التنظيمات الدينية في(إسرائيل)، مفهوماً عاماً واسعاً، يغطي العديد من المؤسسات والأحزاب والحركات المرتبطة بالاتجاه الديني، وخاصة تلك التنظيمات المتصلة بالمجتمع (الحريدي)، الذين يتصفون بعدد من الصفات المنبوذة، حتى داخل المجتمع اليهودي وخاصةً المجتمع الصهيوني العلماني، حيث يتم نعتهم بالمتشددين والمتطرفين وحتى الأغبياء والجهلة، وغيرها من الذين أيضاً يرتبطون بحركات دينية من هذا النوع، من خلال المؤسسات الدينية المختلفة والمنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وسواءً كانت حكومية أو دينية.
وإذا انتقلنا للحديث عن نشأة وتطور الحركات والأحزاب الدينية قبل قيام الدولة، يتوجب علينا الوقوف على مرحلتين: حيث تعتبر المرحلة الأولى، مرحلة أولية تكوينية، وضعت نويات الصهيونية الدينية، وامتدت ما بين عامي 1897ـ 1908. أمّا المرحلة الثانية، فتحولت فيها الأحزاب الدينية، من مجرد دعوات أيديولوجية وفكرية دينية، إلى حركات استيطانية منظمة وملموسة على أرض الواقع، وقد امتدّت هذه المرحلة ما بين عامي 1908ـ 1948، أي حتى الإعلان عن قيام دولة (إسرائيل).
مرحلة (الصهيونية الدينية) 1897ـ 1908
كانت نشأة الأحزاب السياسية اليهودية، وخاصة الدينية، من خلال ظواهر تحديثية، تعرضت لها الجماعات اليهودية في أوروبا الشرقية، فيما يتصل بالتوجهات السياسية، حيث نمت الروح القومية داخل تلك الجماعات، ساعدها في ذلك، البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي اجتاحت معظم دول أوروبا في تلك الفترة، فيما يتعلّق بإثارة القوميات وبغض الآخر لدى شعوبها، الأمر الذي ساعد تلك الجماعات اليهودية، من خلال دعاة الصهيونية، على تطوير ذاتها سياسياً وقومياً، بهدف الإحياء التاريخي(الديني- القومي) ليهود العالم، من ناحية، وللنأي بهم عن عمليات الاندماج اليهودي، داخل الدول الأوروبية المختلفة من ناحية أخرى.
وعليه فقد بدا جلياً أن هناك علاقة بين الظواهر التحديثية التي برزت في أوروبا، وبين ظهور (الصهيونية) بشكل عام، وبين(الصهيونية الدينية) بشكل خاص، وذلك لأن الحركة الصهيونية منذ خطواتها الأولى، كانت قد اصطدمت بعقبة مقوّمات القومية، التي ما فتئت تدعو إليها، مما دفعها إلى اعتبار الدين، بمثابة الرابط القومي المشترك، مما يعني أن هناك عوامل أيديولوجية واجتماعية واقتصادية، أدت إلى ظهور(الصهيونية الدينية)، ومن هذه العوامل:
1. الطابع القومي للصهيونية الدينية.
2. أثر حركة الهسكلاة ـ حركة التنويرـ على الفكر الديني اليهودي.
3. أثر بروز الحركة الصهيونية باعتبارها حركة سياسية.
وقد تفاعلت هذه الظواهر مع بعضها، وسط بيئة دولية مناسبة وفي ظل قوىً دولية، أضافت للنشاطات الصهيونية التقليدية، نشاطات وفعاليات أخرى، ترقى إلى الصعيد الدولي، من حيث إبراز المسألة اليهودية على المستويات الأممية، كل هذه الظواهر، ساهمت في أغلب الأحيان وبشكلٍ كبير، إلى تلطيف النغمة العدائية، ضد الجماعات اليهودية لدى الدول الأوروبية من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى كانت ساهمت بقدر أكبر في تدعيم المشروع الصهيوني(العودة اليهودية إلى فلسطين). ومهما يكن من أمر، فإن من الضروري أن نبحث في أثر العوامل سالفة الذكر، ومدى تأثيرها على بروز (الصهيونية الدينية).
الطابع القومي للفكر الديني الصهيوني:
على الرغم من غياب الأطر السياسية للسيادة اليهودية عبر التاريخ، ورحيل اليهود وهجرتهم عن مواطنهم الأصلية، وإقامتهم في أراضي غريبة عنهم، وانتهاء سيادة الجماعات اليهودية على الشعب والأرض، على الرغم من كل ذلك، فإن الارتباط القومي بالأرض، لم ينتهِ في الفكر الديني الصهيوني.
فقد استمر هذا الفكر في الربط بين عناصر مكونات الدولة الثلاثة، التي كونت من وجهة نظرهم – الأساس الديني القومي- ولكن بدلاً من أن تصبح الحكومة هي العنصر الثالث، فقد حلت محلها التوراة ليصبح المثلث(الأرض، الشعب، الأيديولوجيا الدينية)، فهناك علاقة لا تنفصل بين الأرض وبين المواطن اليهودى، وبين العنصرين السابقين وبين تعاليم التوراة.
وعلى الرغم من الدعوات المتتالية لهجرة اليهود جماعياً إلى فلسطين، والتي صدرت من بعض حاخامات اليهود ومنهم( يهودا القالعي יהודה קאלעי وزئيفي هيرش كاليشر זאבי הרש קלשר)، حيث دعيا إلى الخلاص اليهودي بالتحلل من الانزلاقات الدنيوية، والعودة إلى تعاليم التوراة، وأساطير التلمود والقابلاة، واعتماد فكرة العودة اليهودية، إلى (آرتس يسرائيل) فلسطين، والإسراع في استيطان الأرض اليهودية، واعتماد العمل اليهودي هناك، تحت قيادة دينية بشرية، الهدف النهائي لها هو استعجال قدوم المسيح، وذلك من خلال إقامة المستعمرات اليهودية، لضمان قدومه، وبالرغم من تلك الدعوات، إلاّ أن أعداداً قليلة من اليهود تقبلت ذلك. فقد كانت حينها معظم الهجرات اليهودية إلى فلسطين فردية، وذات طابع ديني، بهدف الحج وأداء الطقوس الدينية اليهودية، ومن ثم العودة إلى البلاد التي يسكنونها، وكان معظم المهاجرين إلى فلسطين، هم من أنصار جماعة (بعل شيم توف- ذو الأصل الطيب)، زعيم الحركة (الحسيدية) التي ينضم تحت لوائها جماعة يهودية، تصف نفسها بالتقيّة والورعة إلى الله، داخل أوروبا الشرقية. وكانت تركزت إقامة أتباع هذه الجماعة، في المدن الفلسطينية المقدسة(يهودياً)، والتي تحوي بعضاً من الآثار اليهودية وإن كانت حديثة العهد، مثل مدينة القدس وصفد، وطبريا، والخليل. ويرجع فشل هذه الدعوات إلى عدة أسباب منها :
- عدم إيمان اليهود الأوروبيين المتنورين، والذين وقعوا تحت تأثير أفكار الهسكلاة، بما تحمله هذه الدعوات، حيث اعتبروها نوعاً من الخرافات والخزعبلات البالية.
- خشية قادة التيارات الأرثوذكسية اليهودية، من تكوين حركات ماسيحانية، تؤول إلى ما آلت إليه حركات سابقة، كانت نادت بنبوءات عديدة، ولم تتحقق مرةً واحدة، وخاصةً في الأمور التي تتعلق بمجيء المسيح، وكان لتأثير ذلك أن هوت الحركات التي تنادي بذلك إلى التفكك والعدم.
وهكذا يمكن القول، أن الديانة اليهودية أو الفكر الديني اليهودي، احتوى بداخله بزور للفكرة القومية، ومحاولة الربط بين الشعب اليهودي المشتت و(أرض إسرائيل)، من خلال فكرة الوعد الإلهي لبني إسرائيل. ولذلك كان الطابع الديني، بمثابة مصدرٍ لروح التضامن الجماعي، على الأرض الخصبة، البديلة عن خبرات العيش المشترك، باعتبارها منبعاً لمجموعة مشتركة من الرموز الاجتماعية والثقافية والفكرية، وعلى أنها تشكّل حلاً جزئياً لمشكلات التعددية الإثنيّة (العرقية)، وهو ما جعل الدين متغيراً أساسياً في القومية اليهودية.
أثر حركة التنوير(الهسكلاة) على الفكر الديني اليهودي:
أول ما ظهرت حركة التنوير كان في العام 1832، للإشارة إلى الحركة النشطة، في الآداب المكتوبة بالعبرية، حيث حاول دعاتها، أن يبتعدوا عن الأدبيات التقليدية المرتبطة إلى حدٍّ كبير بالدين اليهودي، وأن يستعيضوا عن تلك الأدبيات التقليدية البالية، بالأدبيات العلمانية الغربية المنفتحة، لكن حركة التنوير هذه، لم تكن مجرد حركة أدبية فحسب، وإنما كانت أيضاً رؤية متكاملة تسمى( العقلانية المادية)، وقد بدأت حركة التنوير في صورة تيار أساسي بين اليهود، منذ منتصف القرن الثامن عشر واستمرت حتى عام 1880، ورغم انحسارها كحركة فكرية واعية، إلاّ أن مقولاتها، ظلت سائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ظاهر أو كامن، حتى تم اندماج أعضاء الجماعات اليهودية واستيعابهم في المجتمع الغربي العلماني.
وكانت الحركة، تبنّت أفكاراً ومعتقدات، سادت أوروبا،عقب ظلام العصور الوسطى، حيث أوضحت، أن الكون يسير وفقاً لقوانين ونواميس، يستطيع العقل البشري أن يبلغها بالعلم، بمعنى أن القوانين الدينية الغيبية، التي كانت تحكم فكر الفلاسفة في العصور الوسطى، أصبحت غير ذات أهمية. وقد واجهت اليهودية والفكر الديني اليهودي حركة التنوير في وقت كانت مؤسسة(الغيتو) هي الإطار التنظيمي المهيمن على الحياة اليهودية، التي وجدوا فيها إيجابيات كثيرة، ومنها الحفاظ على الهوية اليهودية، الأمر الذي أدى إلى إيجاد عناصر الترابط والتضامن، فيما بينهم داخل الغيتو. بالرغم مما شابها من الآثار السلبية، التي تمثلت في انتشار الجهل، حيث اقتصرت الأمور التعليمية داخل الغيتو، على التعاليم التلمودية فقط، التي كانت على عداء مع الدراسات الدنيوية. وعليه فعندما جاءت حركة التنوير بمبادئها، التي تحض على احترام العقل البشري والعلم، اصطدمت بعقلية(الغيتو) المغلقة.
وكانت انطلقت حركة التنوير اليهودي من الأفكار الأساسية، في حركة الاستنارة الغربية، مثل الإيمان بالعقل، باعتباره مصدراً أساسيا،ً وربما وحيداً للمعرفة، إلى ثقة كاملة بالعلم وبحتمية التعدد، وبنسبية المعرفة والقيم، وبإمكانية إصلاح الإنسان، عن طريق تغيير بيئته وخلق المواطن الذي يدين بالولاء للدولة. حيث طالب دعاة التنوير، بأن يُمنَح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وأن تتاح لهم الفرص الاقتصادية، وأن يتخلص أعضاء الجماعات اليهودية، من أية خصوصية تتسبب في عزلتهم عن أعضاء المجتمع، وأن يتاح لهم الاندماج في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، وأن يكون ولاؤهم للبلاد التي ينتمون إليها، لا لقوميتهم الدينية التي لا تستند إلى سند عقلي أو موضوعي. وكان دعاة التنوير اليهودي، يرون أن هذا ممكن، خاصةً إذا عكف اليهود بفصل الدين عما يسمى بالقومية اليهودية، والقيام لاكتساب مقومات الحضارة الغربية العلمانية، حتى يتسنى لهم التأقلم مع الدولة العلمانية القومية في الدول الأوروبية، وقد ظهر من بين صفوف هؤلاء اليهود، جماعات من (المارانو) - اللقب الذي أطلق على اليهود المتخفّين في كل من إسبانيا والبرتغال، خوفاً من البطش بهم في تلك الحقبة- ويهود الأشكناز في ألمانيا وأوروبا الغربية، شخصيات تولت قيادة الجماعة اليهودية، وأصبح لها مكانة تفوق كثيراً مكانة الحاخامات والرابيين اليهود. ولم يكن هؤلاء اليهود على عكس التاجر والمرابي اليهودي القديم، بل كانوا على مقربة من أعضاء الطبقة الحاكمة يتعاملون معهم ويزودونهم بالأموال ويشترون لهم التحف والسلع الترفيهية اللازمة لمظاهر ترف الملكيات والإمارات المطلقة. وكان هذا يتطلب معرفة وثيقة لا بالاحتياجات الاقتصادية للطبقة وحسب، وإنما بأسلوب حياتها أيضاً، ذلك الأسلوب الذي بدأ هؤلاء اليهود يستوعبونه ويتأثرون به.
ولهذا، كانوا يعيشون بين العالمين المسيحي واليهودي، ويتحركون بسهولة داخل الحضارة الغربية التي كانوا يعرفون عاداتها ويجيدون لغتها، كما كانوا مُلمين بالفلسفة والاقتصاد وبعضاً من العلوم الأخرى، وأيضاً بالتكوينات الثقافية والدينية المتميزة لأعضاء الجماعات اليهودية. ومن هنا، فإن القيادات الجديدة للجماعات اليهودية، لم تكن يهودية ولا دينية خالصة، الأمر الذي أدي إلى ظهور ثلاث اتجاهات أو تيارات رئيسية، في الفكر القومي الديني، وخاصةً فيما يتعلق بمسألة علاقة الدين والتنوير بالعلم، وهذه التيارات هي:
- التيار اليهودي الإصلاحي
وهو يحمل فكراً خاصاً، انطلق من ألمانيا، ثم اتجه إلى أنحاء العالم الغربي، حيث دعا هذا التيار إلى إمكانية التوفيق بين التطور العلمي، والتراث اليهودي، وكذلك إلى تجديد طقوس العبادة وشعائرها الخاصّة، عن طريق إعمال العقل والتدبر بمزيد من التحرر من خرافات الماضي، ولم يتبلور الفكر الإصلاحي نتيجةً لحركة التنوير فقط، لكنه مثّل أيضاً ردّة فعل لظاهرة، ارتبطت بحركة التنوير(حركة تحرر اليهود)، التي بدأت في فرنسا إبان الثورة الفرنسية، ثم امتدت لتشمل يهود شرق أوربا. بعد أن عمّت الدول الأوروبية الغربية.
وعليه فيمكن القول، بأن الفكر الإصلاحي عارض المفاهيم الغيبية، المتجذرة في الهالاخاة التلمودية وتعاليمها، ونادي باندماج اليهود في الشعوب التي يعيشون بينها.
- التيار اليهودي المحافظ:
هذا التيار ظهر من خلال فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، باعتبارها تحمل فكراً وسطاً، بين التيارين الإصلاحي والأرثوذكسي، اللذين كانا على خلاف فيما بينهما، بالنسبة للدين والتراث اليهوديين، خاصة وأن الإصلاحيين يرون أن النواحي القومية اليهودية الموجودة في التاريخ اليهودي، أصبحت من مقومات التاريخ، وأنه لمن عدم الصدق للتراث أن يحذف أمل اليهودي بإحرازه وطناً قومياً يعيش فيه.
وأصحاب هذا التيار، كانوا نادوا به كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود، في العصر الحديث في العالم الجديد، وكان من أبرز مفكريها (سولمون شختر- סלומון שכטר). ولكن جذور الحركة تعود، إلى ما قبل سولمون، إلى ما يُسمَّى (علم اليهودية) من خلال المفكرين اليهود الأوربيين، منذ القرن التاسع عشر.
اعتبرت اليهودية المحافظة بعدئذ، جزء من الفكر والتراث الغربي، وخصوصاً الألماني. وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم، بقدر ما هي اتجاه ديني عام يضم حاخامات ورابيين، يسمون أنفسهم بالمحافظين، بالرغم من اختلافهم فيما بينهم حول أمور رئيسية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن بعض الأمور الدينية، وكانوا يفشلون في كل مرة في التوصل إلى روية واحدة أو عمل واحد . وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل طبيعي بعيداً خلقها جزافاً.
- التيار اليهودي الأرثوذكسي
إن التيار الديني اليهودي (الأرثوذكسي) المحافظ، يعتبر امتداداً لليهودية التلمودية القديمة، وكان ظهر هذا التيار نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية، للطبقة المتوسطة البرجوازية اليهودية، التي لم تنبهر بالفكر الاشتراكي، كما بُهرت بها الطبقة اليهودية العاملة، فعندما تدهورت أحوالهم، وجدوا في هذه النزعات الغيبية الصوفية ملجئاً لهم، وساعدهم على ذلك، أن حياتهم في الغيتو، كانت تشجع على معاداة كل ما هو عقلاني وعلمي، وتبني كل ما هو ماسيحاني غيبي- نسبة إلى المسيح المنتظر- ودلل على ذلك مقولة أحد الحاخامات بقوله:" إن يهود بولندا يكرهون العلوم، لأن الخالق لا يُسر من سهام النُحاة وقياسات الرياضيين وحسابات الفلكيين". وكانوا قد رفضوا الاندماج في المجتمعات المحيطة بهم، وأنكروا إمكانية التوفيق بين العلم والدين، لهذا اعتبر هذا التيار امتداداً للتيار المحافظ وأقرب إليه.
وكان هذا التيار هو الذي نتجت عنه الصهيونية الدينية، التي كانت انطلقت في تحالفها مع الحركة الصهيونية السياسية (الأم)، وتوالدت منها العديد من التنظيمات والحركات الدينية اليهودية، بعد أن نجحت في استخدام النظام السياسي كمنهج وسلوك خاص، تعمل من خلاله للوصول إلى السلطة، بدءاً بتكوين الأحزاب ومن ثم المشاركة في الحياة السياسية، وكانت كلما تقدمت في تطوير نفسها بحسب الدين، زاد بروزها داخل المجتمعات اليهودية، وسواءً كان في الخارج أو في الداخل الإسرائيلي، فكما كان لها تأثيرها البالغ، على توجهات الكثيرين من الجماعات اليهودية في الخارج واستمالتها إلى برامجها المختلفة، نراها في الفترة القريبة الماضية، قد كانت أكثر بروزاً داخل المجتمع اليهودي في (إسرائيل)، من خلال استطاعتها أثبات نفسها، في العديد من المؤسسات اليهودية الرئيسية، كما استطاعت اختراق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية (مؤسسة الجيش)، وأن تفرض وجودها داخله في تحدٍ واضح للتيارات العلمانية المختلفة، كما أن واقع الحال في الدولة منذ قيامها، أثبتت صحة المقولات، التي تدور حول تخوف التيار اليهودي الأرثوذكسي، من عدم القبول من التيارات العلمانية، بتواجدها في المؤسسات الدينية والتعليمية، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية والرسمية الأخرى في نطاق الدولة، الأمر الذي دعاها إلى أن يكون جل تركيزها والحركات الدينية اليهودية( الأرثوذكسية) الأخرى، على هدف واحد، هو بناء مجتمعاتها الخاصة بها، في إطار بناء المجتمع القومي اليهودي، في ظل اليهودية المحافظة.
يتبع

مشاركة مميزة