السبت، 22 أكتوبر 2011

العروبة.. ومفهوم الأقليات

kolonagaza7

بقلم: د. محمود حمد سليمان
مصطلح الأقليات مصطلح غربي أوروبي في الأصل والأساس.. وهو يعني وجود فئة معينة من الناس تتمايز في حضارتها وثقافتها ولغتها وتراثها عن الأغلبية الساحقة من أبناء هذه الأمة أو تلك.. فهي أقلية عددية بالنسبة إلى الجموع الغفيرة من أبناء المجتمع.. ويكون لهذه الأقلية عاداتها وتقاليدها الخاصة بها.. ولا تشترك مع الأمة، ككل، حضارياً واجتماعياً وتاريخياً.. بل تبقى محتفظة بما لديها.. بعيداً عن الإنصهار في بوتقة الجموع العامة..
ولأن الغرب عانى كثيراً من هذه المشكلة في مجتمعاته فقد صدَّرها إلينا عبر بعض المتعلمين العرب الذين بهرتهم حضارة الغربيين وربما سلبتهم عقولهم..
وهكذا ودون أي تمحيص أو تمعن راح هؤلاء يوزعون شهادات الأقلية والأكثرية شمالاً ويميناً.. وكأن القومية العربية هي نسخة مطابقة لما في قوميات الغرب من عرقية وعنصرية وأحقاد قائمة على أساس العرق والحسب والنسب وربما الشكل واللون.. وما شابه.
ولو نحن قارنا منطلقات قوميتنا العربية الجامعة بما في الغرب من مفاهيم وآراء في الفكر القومي ومنطلقاته.. لوجدنا الفرق الشاسع في المنطلقات والمفاهيم كما في الغايات والأهداف.. فقوميات الغرب كما هو معروف، قوميات عنصرية استعمارية كان سببها الأساسي تجميع طاقات الشعب وحشدها في مواجهة بعضها من جهة.. وفي تشكيل قوة ضاربة للسيطرة على موارد الشعوب الأخرى وثرواتها ولا سيما في مناطق ما يسمى العالم الثالث..
في حين أن القومية العربية هي قومية إنسانية تحررية هدفها ومنطلقها مقاومة الإستعمار ورفض الإستعباد ومواجهة السيطرة الإستعمارية على مواردها وموارد من هم مثلها.. تنشد القوة للدفاع عن نفسها، وتحقيق الحرية لها ولمن حولها.. ومن هنا لا تجوز المقارنة ولا التشابه بين الظالم والمظلوم.. بين المستعمِر للأرض .. والمقاوم له.
والواقع أن المسيحية والإسلام بما يحملان من قيم وأخلاق وفضائل قد لعبا الدور الأساسي في تشذيب العنصرية، والفوقية، والإستعلاء.. من القومية العربية منذ نشأتها وتكوينها..
ليس هذا فحسب، بل لقد أدت تعاليم المسيحية والإسلام إلى الحرص على إنسانية الإنسان دون تفرقة أو تمييز.. وإلى غرس مفاهيم الحرية في نفوس المؤمنين منذ فجر الإنطلاقة.. وحتى يومنا هذا . فكانت كلمة السيد المسيح عليه السلام : " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" ..خير تعبير عن الإرتباط الوثيق بالحرية.. وكانت كلمة عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.. هي الصدى بل هي المنهج نفسه على دروب الحرية والعدالة والوحدة.. دون تعصب أو تحزب..
أكثر من ذلك، فقد تفتقت براعم العروبة الحضارية ولا حسب ولا نسب ولا رابطة دم أو عرق أو جنس أو لون.. والدليل الأكبر على ذلك الحديث النبوي الشريف : ( ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي).
وهل أوضح من ذلك مثلاً على تشذيب العنصرية والعصبية القومية من ذهنية العرب وثقافتهم وحضارتهم.. إذ أعطى الإسلام للعروبة مفهوماً ما كان يخطر على بال أوروبي واحد لا قديماً ولا حديثاً..
ولو نحن تمعنا في انتصار القرآن الكريم للروم ( من أهل الكتاب) في أقصى الأرض في مواجهة الفرس( عبدة النيران).. لأدركنا مرامي الإسلام والمؤمنين به.. تلك المرامي الحضارية البعيدة.. والتي يعجز الكثيرون عن إدراك كنهها وجوهرها في هذه الأيام..
ولو نحن تمعنا في انتصار القرآن لنصارى نجران "العرب" في مواجهة اليهود العنصريين المتعصبين.. ثم في استقبال الرسول العربي لهم في مسجده في المدينة المنوّرة.. وسماحه لهم بأداء صلاتهم داخل المسجد نفسه.. بعد أن حاورهم في مختلف الأمور والقضايا التي يحاول المستعمرون وأذنابهم اليوم استخدامها للفتنة والفرقة.. لو نحن تمعنا في ذلك، فلربما نهتدي إلى منهج الإسلام.. في حرصه الشديد على الحرية والوحدة.. بما في ذلك الحرية الدينية والوحدة المجتمعية.. هذا الحرص الذي، وبإيحاء أوروبي معاصر، تحوّل عند البعض إلى تعصب وعصبية جاهلية مريضة ومتخلفة.. سئل أحد الأعاجم يوما عن انتمائه فأجاب السائل: إن كنت تقصد العربية فقد أتقناها وإن كنت تقصد الإسلام فقد دخلنا فيه.. نعم، كان الأعجمي يفخر بانتمائه للعروبة لأنه فهمها حضارياً بعكس ما فهمها الشعوبيون المعاصرون.. فراحوا يجادلون فيها وكأنهم تربوا على أيدي هتلر وموسوليني.. لاصقين بها مفاهيم غيرها .. دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الفهم والبحث والتنقيب..
ومع فتوحات العرب تحت رايات الإسلام وبمشاركة فعّالة من إخوانهم المسيحيين العرب في هذه الفتوحات مباشرة وجنباً إلى جنب مع إخوانهم المسلمين.. مع هذه الفتوحات، تعربت بالكامل المنطقة التي نسميها اليوم: الوطن العربي. في حين دخلت شعوب أخرى في الإسلام دون أن تتعرب.. بل احتفظت بخصائصها وسماتها القومية.
وهكذا أصبحنا أمام فريقين:
- عرب، من مسلمين ومسيحيين.. تجمعهم رابطة العروبة وتوحدهم في اليسر والعسر رابطة الإنتماء القومي، واللغة العربية الواحدة واللسان العربي الواحد..
- ومسلمون غير عرب، احتفظ كل منهم بخصائصه وخصوصياته الثقافية والإجتماعية واللغوية والحضارية الخاصة به..
ولقد أعطى الإسلام الحرية للفريقين .. فلا إكراه ولا قهر ولا استعمار.. ولأن القيادة العربية الواحدة في العهدين الأموي والعباسي كانت تفهم الدرس حضارياَ وتستوعب المفاهيم الحقيقية للإسلام والعروبة فإن الكنيسة العربية المسيحية، بكل مذاهبها، لم تعرف نسمات الحرية ولا تخلصت من الإضطهاد اليهودي والغربي وأخذت حريتها واستقلالها إلا تحت أجنحة الوحدة العربية وفي ظلال العروبة الحضارية.. وليس آخرها ما حصل للموارنة على يد الروم البيزنطيين في ديرمار مارون شرقي مدينة حلب من سورية.. إذ قتلوا أكثر من ستماية راهب وراهبة من الموارنة وأجلوهم الى لبنان مستغلين انشغال الدولة يومذاك بحركات التمرد في بلاد فارس.. وذلك قبل أن يلاقيهم الجيش العربي من الشام ويلتقي بهم في معركة فاصلة في ساحة أميون من الكورة من لبنان ويُنزل بالبيزنطين هزيمة شنعاء ويعيدهم إلى مواقعهم.. ما بعد الحدود التركية اليوم. وكلنا يعلم ما فعل الصليبيون ، كما وسموا أنفسهم، في كنيسة أنطاكية عندما دخلوا الشرق مستعمرين وكيف أبادوا ما استطاعوا من مؤمنين مسيحيين بعد أن هدموا وسرقوا ما وصلت إليه أيديهم من موجودات الكنائس وأيقوناتها وبعد أن حوَّلوا مذابحها وقاعاتها إلى مرابط لخيولهم وفجورهم وحقدهم على كل ما هو عربي.. وبعد ذلك، أنستغرب لماذا وسم المؤرخون العرب الحروب الصليبية بحروب الإفرنج .. واعتبروا أن المسيحية والصليب منهم براء..؟؟ وهل نستغرب بعد هذا التاريخ الطويل أن يعتبر المسيحي العربي أن الإسلام بالنسبة له هو تراثه والحائك الأول لعروبته وحضارته التي له فيها أسهم كثيرة لا تقل عن أسهم أخيه المسلم في ميادين العلم والبناء والتقدم والقيم والحرية وفضائل النفس ومكارم الأخلاق..؟؟
وعليه، ووفق هذا المفهوم للقومية العربية الإنسانية أو للعروبة الحضارية.. انصهر الجميع في بوتقة حضارية واحدة.. اجتماعياً وثقافياً ولغوياً.. ولا تمايز ولا تمييز.. ولا خصوصيات لفئة على أخرى.. اللهم ما عدا بعض الفروقات التي قد نجد مثلها بين أبناء القرية الواحدة من ذوي الملة الواحدة واللون الواحد.. أو كالفروقات في بعض التفاصيل بين ابن الريف وابن المدينة ولو كانوا من الصنف نفسه في المجتمع ذاته..
إن هذا الإختلاط الحضاري القومي العروبي، على مر العصور والقرون قد جعل الأغلبية الساحقة من القاطنين في الوطن العربي يصعب على الواحد منهم أن يستطيع تحديد أصله حسباً ونسباً.. اللهم إلا عائلات قليلة احتفظت بشجرة العائلة وهي مع ذلك مشكوك بصحتها وموضوعيتها في معظم الأحيان.. فمن منا يستطيع أن يثبت انحداره من قريش أو تميم أو بكر أو تغلب أو غسان أو غفار.. وغيرها وغيرها؟؟
هذا من جهة الأب.. أما من جهة الأم، وعبر الأجيال، ونتيجة هذا الإختلاط.. فلا بد أن الدم العربي اختلط بدماء الآخرين الذين تقاسموا مع العرب اللغة والثقافة والعادات والتقاليد وكل الحياة الإنسانية وفي كافة المجالات والميادين..
وعليه، فإن "مصطلح الأقليات" لا يصح في أُمة صار فيها المسلم والمسيحي يتقاسمان سوية الحضارة والتراث والتاريخ ووحدة المستقبل والمصير.. وحتى نعمة الإيمان بالله الواحد ككلمة سواء وقاسم مشترك بينهما.. وحتى في القيم، فمن يقرأ الوصايا العشر في الإنجيل.. يجدها هي نفسها مجموعة في آية واحدة أو موزعة في عدة آيات من القرآن الكريم..
ومصطلح الأقليات لا يصح في أمة انصهر فيها العربي، والأشوري، والكلداني، والقبطي، والآرامي، والأمازيغي، والنوبي، والبربري.. فجميعهم، رضعوا من ثديي العروبة.. ونهلوا من معينها واتسموا بسماتها الحضارية الجامعة..
إن مشكلتنا ليست مشكلة أقلية وأكثرية فنحن جماعة واحدة في السراء والضراء، لا يميزها عن بعضها ما يميز غيرنا من أمم وشعوب.. إنما مشكلتنا مشكلةٌ سياسية إذ أننا جميعاً نواجه رياح الغرب الفتنوية الذي دائماً يجدد أساليب هدفه القديم / الجديد: فرق تسدْ.
وعندما نقع فريسة تحت سنابك خيله.. فلا يبقى منا واحد إلا ويكون مظلوماً تنهشه أنياب الإستعمار والإستبداد والتخلف.. ولا من معين ولا من حل إلا بالوحدة الشاملة.. والعروبة الحضارية الجامعة.
وللأسف الشديد فمشكلتنا تزداد سوءا عندما نجد بعض أبناء جلدتنا وقد استبد بهم الجهل وفتك بهم التعصب .. وأطاحت بعقولهم الفتن.. فلم تبقي ولم تذر.. ولكن الله غالب على أمره ولو كره الكارهون.. ولو كفر الكافرون بوجود ربهم ووجود أمتهم..
إنه نعم المولى ونعم النصير.
د. محمود حمد سليمان
(عكار . لبنان)

مشاركة مميزة