الاثنين، 10 أكتوبر 2011

نقد برنامج التكيّف مع العولمة:نموذج برهان غليون

kolonagaza7

د. إبراهيم علوش
10/10/2011

[جميع المقتطفات الواردة أدناه للدكتور برهان غليون مستقاة من كتاب "ثقافة العولمة وعولمة الثقافة" الصادر عن دار الفكر في دمشق عام 1999].
يطرح د. برهان غليون في مقدمة مداخلته حول ثقافة العولمة أربع أسئلة رئيسية:
1. هل العولمة حركة موضوعية أم نتائج سياسيات ذاتية؟ أي هل هي شيء حتمي أم شيء يمكن ردّه؟
2. هل ستؤدي العولمة إلى فرض هيمنة عالمية من قبل بعض الدول؟ أم هي دينامية جديدة تتيح الخروج من الهيمنة؟
3. هل تساوي العولمة الأمركة، وتحقيق أفضل الشروط لاستقرار الأمركة؟ أم أنّ الانفتاح المتبادل للثقافات سيؤدي إلى قيام تعددية ثقافية؟
4. هل تتوفر لدينا شروط المقاومة؟ وكيف نواجه العولمة؟
يبدأ د. برهان غليون، قبل الإجابة على الأسئلة أعلاه، بتعريف العولمة، فلا يخرج في ذلك عن التعريف المألوف الذي يعتبر العولمة اندماجا للفضاءات الاقتصادية والثقافية والإعلامية في شبكة لها ناظم مركزي واحد، قائلا: "إنّ المضمون الرئيسي للعولمة كما نعرفها اليوم هو أنّ المجتمعات البشرية التي كانت تعيش كل واحدة في تاريخيتها الخاصة، وحسب تراثها الخاص ووتيرة تطورها ونموها المستقلة نسبيّا، على الرغم من ارتباطها بالتاريخ العالمي، قد أصبحت تعيش في تاريخية واحدة وليس في تاريخ واحد. فهي تشارك في نمط إنتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الأرضية، وهي تتلقّى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها …" وبرهان غليون في هذا التعريف لا يضيف جديدا على تعريف العولمة المعروف الذي يعتبر العولمة عملية ازدياد وثائر التفاعل بين الأمم وتحوّلها من نشاط جانبي إلى نشاط يدفع تطوّر النظام الإنتاجي للعالم بأكمله.
د. برهان غليون يذكر أيضا أنّ محاولات دمج العالم في منظومة واحدة هي قديمة قدم الإمبراطوريات والاستعمار، ولكن الفرق بين منظومات الدمج القديمة وتلك التي تتم في ظل العولمة حسب رأيه، هو أنّ المنظومات القديمة كانت تؤدّي إلى قيام أنظمة متشابهة في الدول والمجتمعات المستقلة نسبيا، أما في ظل العولمة الحديثة، فتدخل الدول والمجتمعات المختلفة في إطار منظومة اقتصادية – اجتماعية – ثقافية واحدة. الفرق الآخر بين العولمة الحديثة ومنظومات الدمج القديمة حسب رأي د. غليون، فهو أكثر إشكالية. فالدكتور غليون يقول إنّ منظومات الدمج القديمة كانت تقوم في كل مرحلة تاريخية على مركز عالمي فاعل مقابل محيط وأطراف، أما العولمة الحديثة، فإنها "تعني شيئا آخر يتجاوز هذه العلاقة بين المركز والمحيط … إنها تتجسّد في نشوء شبكات اتصال عالمية فعلا تربط جميع الاقتصاديات والبلدان والمجتمعات وتخضعها لحركة واحدة".
فهل نستنتج من ذلك أنّ العولمة الحديثة تتجاوز العلاقة غير المتكافئة بين المركز الفاعل والمحيط المفعول به؟ في الفصول اللاحقة لمداخلته عن عولمة الثقافة، لا ينكر د. غليون وجود هكذا علاقة غير متكافئة، وإن كان لا يتعب من الإشارة إلى الجوانب الإيجابية للعولمة والاحتمالات الكبيرة التي تنطوي عليها لتحقيق التقدّم والخير والسعادة للبشرية ككل. بيد أنّ ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو أنّ العولمة الحديثة، إن كانت تختلف عن أنظمة السيطرة العالمية القديمة، فإنّ هذا الاختلاف ليس في "أنها تتجاوز هذه العلاقة بين المركز والمحيط" كما يقول د. غليون، بل على العكس، فإنّ العولمة الحديثة تتميّز بتزايد الاستقطاب على مستوى عالمي، وبالجهود المحمومة لإخضاع المحيط للمركز، ولكن دعونا لا نستبق الإجابة على الأسئلة الأربعة التي طرحها د. غليون.
1. العولمة: دينامية موضوعية أم ذاتية؟
العولمة، حسب رأي د. غليون، هي ثمرة التقاء التطور الموضوعي لحقل التقنية والعلوم الذي يحدث "بغض النظر عن رأي أي واحد منا"، وإرادة المجتمعات أو الجماعات والنخب التي تسيطر على هذا التطور الموضوعي وتوظّفه لضمان سيطرتها أو تحسين مواقعها. "فلا نستطيع أن نتصور العولمة من دون ثورة الاتصالات والتطورات التقنية المذهلة التي تكمن وراءها. ولا نستطيع أن نفهم نتائجها كما نشاهدها اليوم من دون فهم السياسات الليبرالية أو النيوليبرالية التي توجهها، أي من دون أخذ طبيعة القوى الاجتماعية السائدة في الاعتبار وفهم مصالحها ومتطلبات استقرارها".
حتى الآن لا مشكلة، مع العلم بأنّ إعطاء أهمية متساوية للعوامل الموضوعية والذاتية هكذا، دون إيضاح العلاقات الدقيقة القائمة فيما بينها، والوزن النسبي لكل من هذه العوامل في كل مرحلة، الخ، يؤدّي إلى الوقوع في مطبّ التعميم النظري الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. الأكثر إشكالية رغم ذلك هو قول د. غليون إنّ المجتمعات التي تتجرّأ على التساؤل إذا ما كانت العولمة شيء يجب مقاومته أو الاندراج فيه، هي مجتمعات تعيش على هامش الحياة والاقتصاد والمنافسة الدولية، "فطالما بقينا نعيش في إطار نظام الرأسمالية، يشكّل اكتساب هذه التقنيات التي تسمح بالاندماج العالمي، أعني تقنية المعلوماتية والاتصالات، هدفا رئيسيا لكل قوة اقتصادية متفاعلة من المنظومة العالمية" (ص. 26). فمجرّد طرح مسألة كيفية التعامل مع العولمة، وما إذا كان يجب مقاومتها أو مجاراتها، يدل، حسب رأي د. غليون، على هامشية العالم العربي في ظل نظام العولمة الجديد. فالدكتور غليون يدعو إلى الانخراط بالعولمة من أجل الاستفادة من إمكانياتها التقنية، ومن أجل أن نكون ضمن، لا خارج، المجتمعات التاريخية. ولكنّه يضيف شرطا لهذا الانخراط، وهو تحسين شروط الانخراط في العولمة عن طريق "بلورة استراتيجية ذاتية وخاصة للدخول في العولمة من منطق الصراع من داخلها في سبيل تعديل موازين القوى المتحكمة بها… ل من منطق التسليم بأمر واقع. وبالمثل، إنّ التخويف من العولمة بوصفها استراتيجية إمبريالية جديدة للإيقاع بالدول العربية والضعيفة، يخفي بعدها الموضوعي والحتمي، ويدفع بالتالي إلى إهمال ضرورة العمل على استيعاب وتمثّل الجوانب التقنية الأساسية للاحتفاظ بنجاعة أي مجتمع حديث أو أي اقتصاد" (ص. 29 - 30).
المشكلة في هذا الطرح هي أنّ "الانخراط في العولمة" لا يضمن على الإطلاق استيعاب وتمثّل الجوانب التقنية الأساسية فيها. ففي الواقع، إنّ قوانين حماية حقوق الملكية الفكرية التي يفرضها الانخراط في منظمة التجارة العالمية مثلا، يهدف فيما يهدف إليه، إلى منع انتقال التكنولوجيا إلى دول العالم الثالث. والمشكلة الأخرى سياسية، فلو طرح د. غليون مسألة "الانخراط في العولمة" والعمل على تحسين شروط هذا الانخراط كجزء من إستراتيجية أو برنامج مرحلي مثلا نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي، وهو الإطاحة بهيمنة رأس المال المالي على النظام الاقتصادي المعولم، لكان هناك مجال للاتّفاق معه. غير أنّ د. غليون لا يطرح ذلك، ولا يشير من قريب أو بعيد إلى علاقة هذا الانخراط في العولمة بالصراع الحاد الذي يحتدم في كل مكان بين رأس المال المالي الدولي وبين الطبقات الشعبية على صعيد عالمي. فالعولمة ليست مجرّد سوبر ماركت ندخله أو لا ندخله إذا أردنا الحصول على تقنيات متطورة. العولمة تمثّل مرحلة معيّنة من مراحل تطور الرأسمالية، ومرحلة معيّنة بالتالي، في تطوّر الصراع الطبقي على صعيد عالمي. وإذا كان ثمة أحد سيطرح ضرورة الانخراط في العولمة ضمن سياق محدد، فإنّ هذا السياق يجب أن يكون الدور المحدد الذي سيلعبه المنخرط في العولمة في الصراع الطبقي العالمي. بالتأكيد، إنّ الانعزال عن العولمة غير ممكن إذا كنا نتحدّث عن العلاقة مع نمط إنتاج مهيمن عالميا في مرحلة معيّنة من مراحل تطور الرأسمالية، ولكن الانخراط في العولمة، المفروض علينا بأية حال، لا يجوز أن يكون هدفه النهائي تحسين شروط الصفقة، أي شروط العلاقة مع رأس المال المالي الدولي، إلا بمقدار ما تمثّل المطالبة بتحسين الشروط مجالا للتوعية والتحريض والتعبئة والتأطير ضد رأس المال المالي الدولي، تماما كما كان يمثّل العمل النقابي وسيلة لتعزيز العمل السياسي الثوري أيام لينين. فالهدف النهائي للعمل يجب أن يكون التغيير الجذري لطبيعة النظام، أما تحسين شروط الانخراط في العولمة، فلا يمكن أن يكون أكثر من هدف تعبوي. وأما الدعوة للانخراط بالنظام، من أجل تحسين شروط الانخراط فحسب، فلا تمثّل أكثر من دعوة لتقديم المشروعية للعولمة، ولهيمنة رأس المال المالي، وتوسيع شروط هذه الهيمنة على نطاق عالمي، وهو ما يشكّل جوهر النظام. وهذا يعني بالضرورة تقديم المشروعية لهيمنة رأس المال المالي الدولي نفسها، وهو ما يختلف معنا فيه د. غليون على ما يبدو حين يقول "إنّ مقاومة الهيمنة التي تحملها العولمة، لا يتحقق من خلال الرفض الأيديولوجي لمفهومها، ولكن من خلال بناء الشروط التي تسمح بالتحكم بآلياتها وتقنيّاتها ووضع اليد على جزء من رأسمالها المادي والأدبي والعلمي" (ص. 36)
ولكن ماذا يعني الرفض الأيديولوجي لمفهومها، غير رفض هيمنة رأس المال المالي الدولي على المعمورة وشعوبها؟ وماذا يعني بناء الشروط لوضع اليد على جزء من رأس المال المعولم، ضمن شروط توسيع هيمنة رأس المال المالي الدولي، سوى القبول بالفتات وأبدية النظام ونهاية التاريخ؟ وهل هناك مجال حقيقي لتقدّم الدول النامية والفقيرة في ظل هيمنة رأس المال المالي الدولي كما يدّعي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟ أم أنّ طرح شروط أكثر عدالة لعلاقة الدول النامية والفقيرة بالرأسمالية المعولمة يجب أن يهدف إلى كشف هذه النقطة بالذات لشعوب الأرض قاطبة، أي كشف حقيقة أنّ مشروع العولمة هو مشروع إفقار واستغلال واضطهاد الإنسان من قبل رأس المال المالي الدولي، وأنّ المطالبة بتحسين الشروط، إذا نجحت، يجب أن تخدم هدف تعديل ميزان القوى في أحسن الأحوال تمهيدا للإطاحة به نهائيا؟
هذا ما لا يعالجه د. برهان غليون، ربما لأنّه لا يتّفق معه.
2. العولمة: هيمنة أم تحرر؟
في الإجابة على السؤال الثاني حول ما إذا كانت العولمة تؤدي إلى المزيد من الهيمنة أم تفضي إلى التحرر، يقول د. غليون: "تفتح العولمة من دون أدنى شك فرصا هائلة لتحرر الإنسانية بما تتيحه من تفاعل بين مختلف مكوّناتها، وما تعمل على تحريره من علاقات وطاقات، وعلى تجاوزه من محابس ومراقبات أصبحت تشكّل أكبر عائق أما تقدّم الشعوب العربية. وليس هناك شك في أنّ التدفق الحر للقيم والمنتجات والمعلومات والأفكار والمخترعات، يقدّم لكل (التشديد من عندنا) فرد على مستوى الكرة الأرضيّة فرصا استثنائية للتقدّم والازدهار المادّي والنفسي. ولا شكّ كذلك أنّ خلق سوق عالمية واحدة يساهم في توسّع التجارة ونمو الناتج العالمي بوتائر أسرع بكثير مما عرفته الأسواق القومية التقليدية، ويفرز بالتالي فوائض مالية هائلة يمكن لو استغلّت لأهداف إنسانية أن تغيّر وجه المعمورة" (ص. 31).
إذن، العولمة حسب رأي د. غليون، تمثّل فرصة هائلة لتحرر الإنسانية، ولتقدّم كل فرد… وهو خطاب المؤسسات الاقتصادية الدولية المعروف. ولكن المشكلة الوحيدة في العولمة، يضيف د. غليون لاحقا، هي غياب نظام لتعديل وإعادة توزيع الموارد، مما يؤدّي إلى تركيز هائل للثروة المادية والثقافية في أيدي فئة قليلة من سكّان العالم، ضمن البلدان الغنيّة، وبين البلدان الغنيّة والفقيرة على حد سواء. رغم ذلك، يقول د. غليون: "على الرغم من أنّ من المستحيل أن نتصوّر اليوم أو غدا أنّ جميع الأفراد سوف يستفيدون من مثل هذه الإمكانات (العولمة)، فليس من الممكن أن نحرم أي فرد من حقّه في أن يحلم أنه هو الذي سوف يستفيد من هذه الفرص، وأنّ له الحق في أن يغامر بنفسه للدخول فيها" (ص. 35).
الدخول في العولمة عند د. غليون إذا، قرار فردي، وحلم شخصي، لا يحق لنا أن نحرم أحدا منهما، فنحن في النهاية "لسنا بصدد الاختيار بين منظومات دولية هيمنية ومنظومات تحررية شاملة"! (ص. 37)، ووضعنا الحالي ليس بالضرورة بأفضل مما سيكون عليه في ظل العولمة، فلم الاعتراضات؟! "إننا في هذا الموضوع خاضعون لتحولات دولية لا طاقة لنا في تعديل اتجاهها، والمهم أن نفهم آليّات الهيمنة الجديدة، وأن نسعى بكل إمكانياتنا إلى تغيير أو تعديل أثرها علينا"!!
أساس المشكلة هنا يتلخّص ببساطة في أنّ الدكتور غليون لا يربط بين تطوّر قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج. فهو يريد ثمرات العولمة التقنيّة وما تتيحه من إمكانيات للتحرر، دون أن يلقي بالا إلى حقيقة أنّ التطورات الجديدة في وسائل الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا عامة، هي بالضبط ما خلق شروط الهيمنة الجديدة لرأس المال المالي الدولي على العالم من خلال تزايد حركية رأس المال والسلع والخدمات والمعلومات عبر الحدود. وكل ما ينعكس بعد ذلك من تغييرات في العلاقات الدولية والقيم والمفاهيم السائدة، فهو الامتداد الجدلي للتغيّرات التي طرأت في أساس النظام، أو في قاعدته التحتية. إنّ منطق د. غليون يتمثّل بتصوير العولمة على أنها تمثّل تطوّرا في قوى الإنتاج، وأنّ هذا التطوّر مفيد للبشر، وأنّ الانعزال عنه يجعلنا هامشيين. وكلّنا نعلم أنّ الرأسمالية تطوّر قوى الإنتاج في الوقت الذي تسود فيه حالة الطبقات والشعوب المضطهدة، وأنّ هذا الجانب من الرأسمالية (تطوير قوى الإنتاج)، لا يمكن فصله عن جانب علاقات الإنتاج الاستغلالية التي تشكّل جوهر النظام الرأسمالي، إلا بتدمير الرأسمالية. أمّا القول بأنّ الانخراط في العولمة هو عبارة عن قرار فردي، وحلم شخصي، لا نملك أن نحرم أحدا منه، فلربما يعبّر فيه د. غليون عن طموحات بعض المثقّفين العرب في الوصول إلى "العالمية"، ولكنّه لا يعبّر عن موقف متماسك من العولمة، حتّى لتحسين شروط الانخراط فيها بالنسبة للشعوب والطبقات التي تدفع يوميا ثمن توسّع شروط هيمنتها.
في نموذج الهيمنة الثقافية الذي ينشأ عن العولمة الحديثة، يقول د. غليون إنه سيذهب في اتجاه خلق نخبة ثقافية عالمية تقوم على خلق رأسمال ثقافي ورمزي مستقل، بعد نزع أفرادها من الثقافات الوطنية، الأمر الذي سيؤدّي إلى تخفيض الثقافات الوطنية إلى مستوى الثقافات الشعبية، وإبعادها عن حقول السلطة في مجتمعاتها، تمهيدا لدمج هذه المجتمعات في إمبراطورية عالمية واحدة. مركز السلطة الرئيسي في النظام هو قطاع الثورة التقنية المعلوماتية، وما يرتبط به من نخب معولمة، الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى بذل كل مجهود ممكن لإحكام سيطرتها على هذا القطاع من خلال تفوقها التقني والعلمي فيه، الذي بدوره يدفع النخب العالمية، الاقتصادية والسياسية والعلمية، إلى التسابق على الدخول في شبكة الإنترنت مثلا، كي لا تصاب بالهامشية، فتدخل في صراعات مع الولايات المتحدة من أجل الحد من هيمنتها، "لكن ليس من أجل تجاوزها أو إلغائها". وهكذا، يبدأ د. غليون من أطروحة مفادها أنّ العولمة ستفضي إلى نشوء نخبة عالمية ثقافية لا وطنية، لينتهي إلى الصراع بين النخبة الأمريكية والنخب العالمية الأخرى، دون أن يقول لنا، هل النخبة الأمريكية هي المقصودة بالنخبة العالمية اللاوطنية التي ستنشأ نتيجة العولمة؟ أم أنّ النخب العالمية الأخرى، التي تصارع النخبة الأمريكية على تعديل شروط هيمنتها على العالم، هي التي ستندمج بالنخبة الأمريكية لتكوّن نخبة عالمية لاوطنية؟
إنّ د. غليون يتحدّث عن نخبة عالمية فوق الثقافات الوطنية، ثمّ يعود للحديث عن نخبة أمريكية متفوّقة إزاء نخب عالمية أخرى، دون أن يوضّح كيف تحولت الأولى (النظريّة) إلى الثانية (الفعليّة)، أو أن يشرح كيف ستتحوّل الثانية إلى الأولى إذا كان هذا هو المقصود. والنتيجة الفعلية لهذا الاختلاط، هو إعطاء طابع عالمي للنخبة الأمريكية أكثر من أي نخبة أخرى، بحكم تفوّقها التقني وهيمنتها الفعلية، وبالتالي الإيحاء بمشروعية هذه الهيمنة، حسب الإطار النظري الذي بدأ منه د. غليون نفسه.
3. العولمة: أمركة أم تعدّد ثقافي؟
ويؤكّد ما ذهبنا إليه مسبقا، قول د. غليون في معرض إجابته على سؤال ما إذا كانت العولمة ستفضي إلى الأمركة أو إلى التعدد الثقافي: "إنّ الأمركة ليست ثمرة العولمة، ولكنّها أحد أركانها … العولمة نظام جديد نشأ في سياق صراع التكتّلات الرأسمالية الكبرى على الهيمنة العالمية. إنه يعكس إذن هذه الهيمنة في بنيته العميقة". فهو يقر إذن بأنّ العولمة نظام هيمنيّ جديد، بالتحديد نظام للهيمنة الأمريكية، ولكنّه بسرعة يبرّر هذه الهيمنة بالقول إنّ هذه الهيمنة تعكس المشاركة الرئيسية للرأسمالية الأمريكية في ثورة المعلومات، وأنّ هذه الهيمنة تعمل على تقريب المسافات وتوحيد أنماط الحياة المادية والفكرية، ودمج الدوائر الثقافية المختلفة في فضاء ثقافي فوق قوميّ، يسمح لمنتجات الثقافة الأمريكية بأن تنافس، وبأن تطغى على منتجات الثقافات الأخرى إلى حدّ كبير. وفي ما سبق إجابة على السؤال السابق حول هوية النخبة العالمية اللاوطنية: إنها ليست إلا النخبة الأمريكية وهيمنتها على العالم الثقافي. ويضيف د. غليون: "العولمة تعني إذن بالضرورة الأمركة إذا فهمنا من الأمركة أرجحية المساهمة الأمريكية في الإنتاج الثقافي، المادي، والمعنوي، الذي يملاْ، وسوف يملاْ الفضاء العالمي الجديد، الذي أنشأته ثورة المعلومات. لكن لا إذا فهمنا من الأمركة تحويل ثقافات الشعوب والطبقات جميعا إلى ثقافة أمريكية، أو تعميم القيم الأمريكية على جميع شعوب العالم" (ص. 46).
العولمة تعني الأمركة، بقدر تميّز المساهمة الأمريكية عن غيرها، ولكنّها لا تعني أمركة الثقافة العالمية، حسب رأي د. غليون. فماذا تعني الأمركة إذن؟ إنها تعني الانتشار الواسع لمنتجات الثقافة الأمريكية، على حساب غيرها، ولكنّ هذا على أية حال لا يعني الأمركة!!! إنه يعني على حدّ قول د. غليون أنّ المجتمعات والثقافات الضعيفة تفتقد إلى استراتيجية فعّالة في دخول دائرة التفاعل والاندماج الثقافي الموسّع الذي خلقته العولمة. فالدكتور غليون هنا يعيد، بطريقة أخرى، طرح اعتراضه السابق على السائلين ما إذا كانت العولمة شيء موضوعي لا رادّ له، أم أنها شيء يمكن مقاومته. فقد قال وقتها إنّ مجرّد طرح هذا السؤال يدل على أنّ المجتمعات التي تطرحه تعيش على هامش التاريخ. والآن، الدكتور غليون يوحي بأنّ الاعتراض على الأمركة يشبه الاعتراض على توسّع دائرة التفاعل الثقافي الذي أحدثته العولمة، أي أنه اعتراض رجعيّ على العولمة، خارج التاريخ. فهو يقترح، عوضا عن الاعتراض على الأمركة، التمسّك بالعولمة الثقافية مع العمل على محاولة تحسين شروط الانخراط فيها، كما فعل منذ مستهل معالجته للأسئلة التي طرحها، مع اعتبار الأمركة ثمرة لدور الولايات المتّحدة الأمريكية في تطوير قوى الإنتاج الثقافية، والإيحاء بأن الاعتراض على الأمركة هو اعتراض على تطوير قوى الإنتاج. فإذا أرادت الشعوب أن لا تكون هامشية، فإنّ عليها أن تنخرط في الأمركة/العولمة الثقافية، مع محاولة تحسين شروط هذا الانخراط. ويضيف د. غليون هنا بعض الإيضاحات المهمة لفهم موقفه تمثّل:
1. أنّ خضوع الثقافة لقوانين السوق "ليست كلها بالضرورة ظاهرة سلبيّة" (ص. 46).
2. إنّ السيطرة الثقافية لا تعني بالضرورة سلب الثقافات الأخرى اتساقها الداخلي وقدراتها الإبداعية (ص. 50)، كما في حالة الثقافات الأوروبية تجاه الثقافة الأمريكية.
3. إنّ السيطرة الثقافية غير أبدية، بل تخضع لموازين القوى، وإنّ الثقافات التابعة تستطيع في خضمّ ذلك أن تستفيد من الثقافة المسيطرة لتطوير نفسها.
4. وأخيرا، فكرة غير منسجمة مع ما تقدّم: إنّ الثقافة المسيطرة لا تحتل موقعها المتفوق بسبب تفوّق منظومات قيمها، ولكن لأنّها ثقافة المجتمعات المسيطرة. ولكن هذه السيطرة تجعلها تحظى باستثمارات مادّية وبشرية أكبر، وتعطيها مصداقية أكبر، ومردودية أعلى، مما يخسف الثقافات الأخرى ويجعلها باهتة ضعيفة المردود (ص. 49). فإلى جانب تشكيل نخبة عالمية سائدة إزاء ثقافة شعبية معولمة، تنشأ عملية تبخيس للثقافات المحلية والإقليمية من قبل الثقافة المعولمة الجديدة. وهذا الأمر الأخير يؤيد موقف د. برهان غليون فيه عملية تحوّل السوق القومية إلى سوق عالمية، وما يرافق ذلك من إضعاف للدولة القومية وسيادتها، وهو المسار الذي نشهده في الصراع الثقافي الجاري حاليا على مستوى عالمي. غير أنّ د. غليون يرفض تسمية ذلك إمبريالية ثقافية أو غزو ثقافي، بل يدعو عوضا عن ذلك إلى "تطوير مفاهيم جديدة أكثر ملاءمة للأوضاع الناشئة عن دمج العالم إعلاميا واتصاليا، وأكثر فاعلية إجرائية في فهم مستقبل العلاقات بين هذه الثقافات" (ص. 45).
وفي الوقت الذي يقول فيه د. غليون أنّ هذه العملية تترافق مع تعرّض الثقافات الوطنية للانحلال والتفتت، في تناقض واضح مع القول بأنّ الثقافات الأخرى لا تفقد اتساقها الداخلي وقدراتها الإبداعية أعلاه، يصرّ بأنّ هذا لا يعني القضاء على هذه الثقافات، بل "يشكّل مرحلة أولى على طريق إعادة تركيب هذه الثقافات" حسب مقتضيات المواجهة أو التكيّف مع العولمة (ص. 53 و 54). وهو يميّز ذلك عن رفض العولمة السلبي والانعزال عنها، أو الاندماج فيها باستسلام. فهو يستنتج من ذلك كلّه إذن بأنّ العولمة تؤدّي إلى قيام التعددية الثقافية على أسس راسخة، وفي النهاية، حسب قوله، إنّ الثقافات غير مستقلّة بعضها عن البعض الآخر، ولا تتمتّع إلا باستقلال نسبيّ (ص. 48 و ص. 57).
والدكتور غليون يقّدم بذلك جوابا على السؤال الرابع حول ما يجب فعله إزاء العولمة، فيدعو إلى الاندراج فيها، وإلى التفاعل مع تحدّياتها، دون رفضها بالمطلق، أو قبولها بالمطلق. وهو يبدأ من تعريف العولمة باعتبارها أمركة ليصل إلى استنتاج أنّ العولمة تؤدّي إلى تعددية ثقافية. ولكنّ الأمركة راهنة، والتعددية الثقافية مشروطة بقدرة الثقافات المحلية على التكيّف مع، ومواجهة تحدّيات العولمة. فهل تبقى قدرة على التكيّف والمواجهة بعد القبول بالأمركة الثقافية وشروط هيمنة رأس المال المالي الدولي؟
إنّ العولمة بشكليها المادي والثقافي قد تكون مفروضة علينا، ولكنّ هذا يطرح برنامج الصراع مع القوى المهيمنة في النظام الدولي الجديد، لا برنامج التكيّف مع شروط هيمنتها. وإذا كان الدكتور غليون لم يشرح بشكل واف كيف ستنشأ النخبة العالمية السائدة في الثقافة المعولمة، فإنّ الذي لا شكّ فيه هو أنّ هذه النخبة ستلعب دور إنتاج وإعادة إنتاج القيم والمفاهيم التي ترشّح هيمنة رأس المال المالي الدولي، وأننا سنكون على طرفي نقيض معها في الجبهة الثقافية. لذا، يجب علينا أن نعدّ العدّة لذلك، ضمن إطار برنامج المواجهة الشامل مع رأس المال المالي الدولي. وإذا كان د. غليون يتحدّث عن نشوء تعددية ثقافية في سياق مواجهة العولمة والتكيّف معها، دون رفضها أيديولوجيا، ودون محاولة الخروج عن نطاقها العالمي الجديد، بل بإطلاق العنان لأحلام الأفراد بالاستفادة مما تتيحه للحد الأقصى، بعد اعتبارها تطوّر موضوعيّ حتميّ، يحمل إمكانات عظيمة، وإيجابيات كبيرة، فإنّ د. غليون يحمل مشروعا لا يؤدّي إلى تعددية ثقافية على الإطلاق، بل إلى طموح لدخول العولمة بشروطها، من موقف ضعيف، وبأوهام كبيرة. فالعولمة معركة، صراع طبقيّ على نطاق عالميّ، وهذا ما لا يأخذه د. غليون بعين الاعتبار. فهو يتعامل مع العولمة باعتبارها نهاية التاريخ، ويسعى لتحصيل أفضل الشروط فيها، بينما المطلوب هو استبدالها بنظام عالميّ أكثر عدالة وأكثر إنسانية. وإذا كان الغرب قد فتح أبواب العالمية لبعض المثقفين العرب، ضمن سياق أيديولوجي وسياسي محدّد، كما حدث مع إدوارد سعيد مثلا، وكما يطمح آخرون بأن يحدث معهم، فإنّ هؤلاء باتوا يتوهّمون أنّ أمم العالم الثالث وشعوبه يمكن أن تدخل العولمة بالطريقة نفسها. وهم حين يتوهّمون أنهم أصبحوا أساتذة كبار في الغرب، فإنّهم لا يفكّرون بالثمن الذي قدّموه مقابل ذلك …كما أنهم لا يفكّرون بأنّ ما ينطبق عليهم لا ينطبق بالضرورة على الشعوب، حتى وإن قدّمت الثمن نفسه.

مشاركة مميزة