الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الغرب ومصادرة مسيحيي الشرق

kolonagaza7


المرجع الاسلامي الامام الشيخ حسين المؤيد
إن الراصد لمجريات الأحداث إقليميا و دوليا ، و المطلع على تاريخ الحركة الرسالية -الإجتماعية للمسيحية ، والمدرك لواقع السياسة الدولية وخلفياتها ومنطلقاتها ، يستطيع أن يؤكد وجود مخطط قديم جديد يستهدف مصادرة مسيحيي الشرق و تحويلهم الى لون باهت في لوحة المسيحية العالمية .لقد ولدت المسيحية في القلب النابض للمشرق سواء على مستوى مكان ولادة السيد المسيح عليه السلام المولود في بيت لحم و المترعرع في الناصرة بفلسطين ، أو على مستوى مكان ولادة الدين المسيحي وحاضنته الأولى و قاعدته التي إنطلق منها الى العالم ، حيث ولدت المسيحية و إنطلقت من فلسطين قلب المشرق وكان إنتشارها الأول في المشرق ، ولم يبدأ إنتشارها في روما الا سنة واحد و ستين للميلاد و بشكل محدود . وقد عانت المسيحية منذ ولادتها وخلال المراحل الأولى لإنتشارها من إضطهاد الإمبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة في المشرق . وقد تجذرت المسيحية في المشرق و كان لها كيانها الضخم و كان المشرق المركز الأول للمسيحية ، وكانت الكنيسة الشرقية عاصمة المسيحية العالمية . وبعد أن تنصرت الإمبراطورية الرومانية و إكتسبت زخما دينيا مسيحيا كان هناك دافع سياسي كبير يدفع بإتجاه تحويل مركز المسيحية و مرجعيتها الكنسية الى الغرب و تعزز ذلك بعد إنتشار المسيحية في أوروبا الغربية و تبني ملوك ودول الغرب لها ، وتم العمل على هذا الموضوع الأمر الذي جعل مركزية الكنيسة الشرقية مستهدفة ، وبالتالي جرى العمل على إخضاع مسيحيي الشرق للكنيسة الغربية و جعلهم وجودا تابعا لها وهو أمر لم يوفق فيه الغرب كل التوفيق لأن الكنيسة الشرقية أصرت على المحافظة على أصالتها و على تقاليد الكنيسة الأولى حتى وقع إنفصال الكنيسة الشرقية و المسيحيين الشرقيين الأورثوذكس عن روما سنة 1054 م .وقد ظلت الكنيسة المشرقية والمسيحيون المشرقيون بما لها و لهم من تاريخ أصيل في المشرق وفي المسيحية نفسها تحديا للغرب كان يسعى الى التعامل معه من أجل مصادرته و تذويبه . و كانت جهود المصادرة و التذويب تتبدد بفعل قوة إنتماء المسيحيين الشرقيين الى أوطانهم وثقافتهم الشرقية فهم يرتبطون إرتباطا وثيقا بالتاريخ الوطني لشعوب الشرق و قد تفاعلوا مع ثقافة الشرق التي ساهموا في صناعتها كما أن لهم تأريخا مشهودا في الإنفتاح و التفاعل مع الإسلام والمسلمين .واما المسيحيون الشرقيون الذين رجعوا الى أسقف روما و الذين يؤلفون الكاثوليكية في المشرق فهم وإن رجعوا الى كنيسة روما دينيا و لإعتبارات دينية على أساس أن السيد المسيح عليه السلام قال للقديس بطرس وهو أول أساقفة روما أنه الصخرة التي سيبني عليها كنيسته الأمر الذي فهم البعض منه انه قد اختير زعيما أعلى لهذه الكنيسة و أن البابا في روما هو خليفة القديس بطرس الا أنهم حافظوا على إنتمائهم المشرقي شأنهم شأن إخوانهم الأورثوذكس .وهكذا نجد أن الغرب كان و لايزال يعمل على مواجهة ما يعتبره تحديا يتجسد في الكنيسة الشرقية و مسيحيي الشرق . وكانت هناك مفاصل تاريخية أكدت للغرب ذلك وعلى سبيل المثال موقف المسيحيين مع المسلمين في جبهة واحدة في مواجهة مايسمى بالحروب الصليبية ، وموقف المسيحيين مع المسلمين في مواجهة حركات الإستعمار الغربي .لقد شكل الوجود المسيحي في الشرق ميزة للشرق و للحضارة الإسلامية و للعالم الإسلامي الأمر الذي أزعج الغرب بدوائره السياسية والثقافية و الدينية .ان الدوائر الغربية التي تتبنى فكرة صراع الحضارات و الدوائر الغربية التي تتبنى خارطة تقسيمية جديدة للمنطقة تحاول توظيف مسيحيي الشرق في هذا الإتجاه و هي تدرك أن هذه المحاولة غير ناجحة و ليس بإمكانها تحقيق كامل أهداف المشروع الغربي و من ثم فإن تلكم الدوائر تعمل على بعدين أساسيين :الأول : مصادرة الوجود المسيحي في الشرق و تذويبه في المسيحية الغربية .الثاني : ضرب المسيحيين في الشرق اما مباشرة أو من خلال مايسمى بالتطرف الإسلامي لخلق هوة عميقة بين المسيحيين والمسلمين و تشويه صورة الإسلام و تدمير نموذج التعايش الإسلامي -المسيحي من أجل تمزيق النسيج الإجتماعي وتسهيل عملية التجزئة و التقسيم مضافا الى معاقبة المسيحيين على وطنيتهم .ان الصهيونية العالمية ومن أجل ترسيخ الكيان الإسرائيلي في المنطقة و ضمان الدولة اليهودية تعمل على خلق صراع إسلامي -مسيحي وهي غير مهتمة بأن يذهب المسيحيون ضحية لهذا الصراع .اننا ندعو المسلمين في عالمنا العربي و الإسلامي أن يدركوا أهمية الوجود المسيحي المشرقي والدور الإيجابي لمسيحيي الشرق تاريخيا وفي الحاضر والمستقبل ، وأن يعملوا على تكريس النموذج التاريخي و الفريد للتعايش بين المسلمين والمسيحيين . كما ندعو المسيحيين والكنائس المسيحية في المشرق سواء الأورثوذكسية أو الكاثوليكية الى وعي عميق للمؤامرة التي تستهدفهم و تعمل على مصادرتهم ، ومواجهة هذه المؤامرة بالإلتصاق أكثر وأكثر بهويتهم المشرقية السياسية و الثقافية وبإنتمائهم لأوطانهم وشعوبهم في المشرق وهم جزء أساسي من الكيان المشرقي ، وعدم إعطاء فرصة للمتآمرين في فصلهم نفسيا وذهنيا وفي الواقع العملي عن نسيجهم المجتمعي .لقد كنت و لا أزال أنادي بضرورة العمل على إعادة الكنيسة المشرقية الى مكانتها ومرجعيتها لمسيحيي العالم مدركا أن تحقق ذلك لن يساهم في نزع الإبرة من بندقية الغرب المستهدف لنا جميعا فحسب ، وإنما سيساهم في إعادة المجد لكياننا الحضاري التليد وريادتنا العالمية . ان ذلك ما يجب أن يتكاتف عليه المسلمون والمسيحيون جميعا .

مشاركة مميزة